في قلب بشر ، وفي واقع ناس ، وفي حركة تاريخ . وتتجرد فيها كينونة بشرية من حظ ذاتها لتخلص للّه كاملة ، لا خلوص النية والعمل وحده ، ولكن كذلك خلوص المحل الذي يملؤه هذا الأمر الخطير . فذات الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة . وهي لا تتصل هذه الصلة إلا أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقي المباشر الكامل بلا عوائق ولا سدود . .
واللّه وحده - سبحانه - هو الذي يعلم أين يضع رسالته ، ويختار لها الذات التي تنتدب من بين ألوف الملايين ، ويقال لصاحبها : أنت منتدب لهذا الأمر الهائل الخطير .
والذين يتطلعون إلى مقام الرسالة ؛ أو يطلبون أن يؤتوا مثل ما أوتي الرسول . . هم أولا من طبيعة لا تصلح أساسا لهذا الأمر . فهم يتخذون من ذواتهم محورا للوجود الكوني ! والرسل من طبيعة أخرى ، طبيعة من يتلقى الرسالة مستسلما ، ويهب لها نفسه ، وينسى فيها ذاته ، ويؤتاها من غير تطلع ولا ارتقاب :
« وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ ، إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ »
. . ثم هم بعد ذلك جهال لا يدركون خطورة هذا الأمر الهائل ، ولا يعلمون أن اللّه وحده هو الذي يقدر بعلمه على اختيار الرجل الصالح . .
لذلك يجبههم الرد الحاسم :
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »
. .
وقد جعلها سبحانه حيث علم ، واختار لها أكرم خلقه وأخلصهم ، وجعل الرسل هم ذلك الرهط الكريم ، حتى انتهت إلى محمد خير خلق اللّه وخاتم النبيين .
ثم التهديد بالصغار والهوان على اللّه ، وبالعذاب الشديد المهين :
« سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ »
. .
والصغار عند اللّه يقابل الاستعلاء عند الأتباع ، والاستكبار عن الحق ، والتطاول إلى مقام رسل اللّه ! . .
والعذاب الشديد يقابل المكر الشديد ، والعداء للرسل ، والأذى للمؤمنين .
ثم تختم الجولة بتصوير حالة الهدى وحالة الإيمان في داخل القلوب والنفوس :
« فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ . وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ . . كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ »
. .
من يقدر اللّه له الهداية - وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء - « يشرح صدره للإسلام » ؛ فيتسع له ؛ ويستقبله في يسر ورغبة ، ويتفاعل معه ، ويطمئن إليه ؛ ويستروح به ويستريح له .
ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه -
« يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ »
. . فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله ، « كأنما يصعد في السماء » . . وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية ، من ضيق النفس ، وكربة الصدر ، والرهق المضني في التصعد إلى السماء ! وبناء اللفظ ذاته « يصعد » - كما هو في قراءة حفص - فيه هذا العسر والقبض والجهد .
وجرسه يخيل هذا كله ، فيتناسق المشهد الشاخص ، مع الحالة الواقعة ، مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد « 1 » .
وينتهي المشهد بهذا التعقيب المناسب :
هامش
( 1 ) يراجع فصل « التخييل الحسي والتجسيم » في كتاب « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .