تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1468

مساهمون:

ص١٤٦٨
عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى : إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
.
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ - إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ - وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
. . هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسية . . فإذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر ، وفي التعقيب عليها ، فإننا ندرك من هذا طرفا من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة ، وإعدادها لقيادة البشرية ؛ وجانبا من نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما يجري في الأرض وفي حياة البشر ؛ مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة : لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين ؛ فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة . . ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية . . لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم ! فأراد اللّه للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة . . أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة ؛ ومكروا مكرهم لقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ بعد ما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى . . لقد أراد اللّه سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل ؛ وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي . ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني . . وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم . وتدبير رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر . كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر وعوامل الهزيمة ؛ وتتلقاها مباشرة من يد ربّها ووليها ، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها . وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة ؛ وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة . كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب ، والغنائم والأسرى ، والمعاهدات والمواثيق ، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة . كلها مصوغة في أسلوب التوجيه المربي ، الذي ينشئ التصور الاعتقادي ، ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني . . وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها . ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة ، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها . . مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها ؛ كأن قارئ القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا . واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وحياة أصحابه في مكة ، وهم قلة مستضعفون في الأرض ، يخافون أن يتخطفهم الناس . ذلك ليذكروا فضل اللّه عليهم في ساعة النصر ، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر اللّه ، وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة . وإلى صور من حياة