والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار . ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب ، وينتج فيه المحصول البشري الثمين ، ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه . ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة . كما أنه لم يجعله شقاقا ونزاعا ، وتعارضا بين الاختصاصات والوظائف ، أو تكرارا للاختصاصات والوظائف ؛ كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث سواء ! « 1 » وبعد ذلك تبدأ القصة . . تبدأ من المرحلة الأولى . .
« فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ »
. .
والتعبير القرآني يلطف ويدق ويشف عند تصوير العلاقة الأولية بين الزوجين . .
« فَلَمَّا تَغَشَّاها »
. . تنسيقا لصورة المباشرة مع جو السكن ؛ وترقيقا لحاشية الفعل حتى ليبدو امتزاج طائفين لا التقاء جسدين . إيحاء « للإنسان » بالصورة « الإنسانية » في المباشرة . وافتراقها عن الصورة الحيوانية الغليظة ! . . كذلك تصوير الحمل في أول أمره . . « خفيفا » . . تمر به الأم بلا ثقلة كأنها لا تحسه .
ثم تأتي المرحلة الثانية :
« فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما : لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ »
. .
لقد تبين الحمل ، وتعلقت به قلوب الزوجين ، وجاء دور الطمع في أن يكون المولود سليما صحيحا صبوحا . .
إلى آخر ما يطمع الآباء والأمهات أن تكون عليه ذريتهم ، وهي أجنة في ظلام البطون وظلام الغيوب . .
وعند الطمع تستيقظ الفطرة ، فتتوجه إلى اللّه ، تعترف له بالربوبية وحده ، وتطمع في فضله وحده ، لإحساسها اللدني بمصدر القوة والنعمة والإفضال الوحيد في هذا الوجود . لذلك
« دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ »
. .
« فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما . فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ! »
. .
إن بعض الروايات في التفسير تذكر هذه القصة على أنها قصة حقيقية وقعت لآدم وحواء . . إذ كان أبناؤهما يولدون مشوهين . فجاء إليهما الشيطان فأغرى حواء أن تسمي ما في بطنها « عبد الحارث » . . والحارث اسم لإبليس . ليولد صحيحا ويعيش ؛ ففعلت وأغرت آدم معها ! وظاهر ما في هذه الرواية من طابع إسرائيلي . .
ذلك أن التصور الإسرائيلي المسيحي - كما حرفوا ديانتهم - هو الذي يلقي عبء الغواية على حواء ، وهو مخالف تماما للتصور الإسلامي الصحيح .
ولا حاجة بنا إلى هذه الإسرائيليات لتفسير هذا النص القرآني . . فهو يصور مدارج الانحراف في النفس البشرية . . ولقد كان المشركون على عهد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقبله ، ينذرون بعض أبنائهم للآلهة ، أو لخدمة معابد الآلهة ! تقربا وزلفى إلى اللّه ! ومع توجههم في أول الأمر للّه ، فإنهم بعد دحرجة من قمة التوحيد إلى درك الوثنية كانوا ينذرون لهذه الآلهة أبناءهم لتعيش وتصح وتوقى المخاطر ! كما يجعل الناس اليوم نصيبا في أبدان أبنائهم للأولياء والقديسين . كأن يستبقوا شعر الغلام لا يحلق أول مرة إلا على ضريح ولي أو قديس . أو أن يستبقوه بلا ختان حتى يختن هناك . مع أن هؤلاء الناس اليوم يعترفون باللّه الواحد . ثم
هامش
( 1 ) تراجع فقرة : « المرأة وعلاقات الجنسين » في فصل : « تخبط واضطراب » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » ، كذلك يراجع فصل : « حقيقة الإنسان » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الثاني . « دار الشروق » .