تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1369

مساهمون:

ص١٣٦٩
الرؤية الكبرى وهو مدفوع في زحمة الشوق ودفعة الرجاء ولهفة الحب ورغبة الشهود . . حتى تنبهه الكلمة الحاسمة الجازمة :
« قالَ : لَنْ تَرانِي »
. . ثم يترفق به الرب العظيم الجليل ، فيعلمه لما ذا لن يراه . . إنه لا يطيق . .
« وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي »
. . والجبل أمكن وأثبت . والجبل مع تمكنه وثباته أقل تأثرا واستجابة من الكيان البشري . . ومع ذلك فما ذا ؟
« فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا »
. . فكيف كان هذا التجلي ؟ نحن لا نملك أن نصفه ، ولا نملك أن ندركه . ولا نملك أن نستشرفه إلا بتلك اللطيفة التي تصلنا باللّه ، حين تشف أرواحنا وتصفو ، وتتجه بكليتها إلى مصدرها . فأما الألفاظ المجردة فلا تملك أن تنقل شيئا . . لذلك لا نحاول بالألفاظ أن نصور هذا التجلي . . ونحن أميل إلى اطراح كل الروايات التي وردت في تفسيره ؛ وليس منها رواية عن المعصوم - صلى اللّه عليه وسلم - والقرآن الكريم لم يقل عن ذلك شيئا .
« فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا »
. . وقد ساخت نتوءاته فبدا مسوّى بالأرض مدكوكا . . وأدركت موسى رهبة الموقف ، وسرت في كيانه البشري الضعيف :
« وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً »
. مغشيا عليه ، غائبا عن وعيه .
« فَلَمَّا أَفاقَ »
. . وثاب إلى نفسه ، وأدرك مدى طاقته ، واستشعر أنه تجاوز المدى في سؤاله :
« قالَ : سُبْحانَكَ ! »
. . تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك .
« تُبْتُ إِلَيْكَ »
. . عن تجاوزي للمدى في سؤالك !
« وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ »
. . والرسل دائما هم أول المؤمنين بعظمة ربهم وجلاله ، وبما ينزله عليهم من كلماته . . وربهم يأمرهم أن يعلنوا هذا ، والقرآن الكريم يحكي عنهم هذا الإعلان في مواضع منه شتى . وأدركت موسى رحمة اللّه مرة أخرى ؛ فإذا هو يتلقى منه البشرى . . بشرى الاصطفاء ، مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص . . وكانت رسالته إلى فرعون وملئه من أجل هذا الخلاص :
« قالَ : يا مُوسى ، إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي ، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ »
. . ونفهم من قول اللّه سبحانه لموسى - عليه السلام -
« إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي »
. . أن المقصود بالناس الذين اصطفاه عليهم هم أهل زمانه - فالرسل كانوا قبل موسى وبعده - فهو الاصطفاء على جيل من