تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1137

مساهمون:

ص١١٣٧
هذا الدرس بطوله لحمة واحدة ؛ يتناول موضوعا متصل الفقرات . . إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة - وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، وما بينهما من ارتباطات - ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة . . يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه . . مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة ؛ ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات ؛ وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة . . والدرس - في جملته - يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح - عليه السّلام ، إلى محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية - كما تتجلى في فطرة عبد من عباد اللّه الصالحين - إبراهيم عليه السّلام - ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة ، وهي تبحث عن إلهها الحق ، الذي تجده في أعماقها ، بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها . إلى أن يخلص لها تصور حق ، يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق . ويقوم على ما تجده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس ! ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليه السّلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق ، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه :
« وَحاجَّهُ قَوْمُهُ . قالَ : أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ، أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً ؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ »
. ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول ؛ يقوده الرهط الكريم من رسل اللّه على توالي العصور ؛ حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له ، يتناثر على جانبي الموكب الجليل ، الماضي في طريقه الموصول . وحيث يلتحم آخره مع أوله ؛ فيؤلف الأمة الواحدة ، يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها ، دون اعتبار لزمان أو مكان ؛ ودون اعتبار لجنس أو قوم ، ودون اعتبار لنسب أو لون . . فالحبل الموصول بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم . إنه مشهد رائع كذلك ؛ يبدو من خلال قول اللّه تعالى لرسوله الكريم بعد استعراض الموكب العظيم :
« ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ . فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ . أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . قُلْ : لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ »
. . وبعد استعراض هذا الموكب الجليل يجيء التنديد بمن يزعمون أن اللّه لم يرسل رسلا ، ولم ينزل على بشر كتابا . . إنهم لم يقدروا اللّه حق قدره . فما قدر اللّه حق قدره من يقول : إنه - سبحانه - تارك الناس لأنفسهم وعقولهم وما يتعاورها من الأهواء والشهوات والضعف والقصور . فما يليق هذا بألوهية اللّه وربوبيته ، وعلمه وحكمته وعدله ورحمته . . إنما اقتضت رحمة اللّه وعلمه ورحمته وعدله أن يرسل إلى عباده رسلا ، وأن ينزل على بعض الرسل كتبا ، ليحاولوا جميعا هداية البشرية إلى بارئها ، واستنقاذ فطرتها من الركام الذي يرين عليها ، ويغلق منافذها ، ويعطل أجهزة الالتقاط والاستجابة فيها . . ويضرب مثلا الكتاب الذي أنزل على موسى . وهذا الكتاب الذي يصدق ما بين يديه من الكتب جميعا . . وينتهي الدرس الطويل المتلاحم الفقرات باستنكار الافتراء ممن يفتري على اللّه ، وادعاء من يزعم أنه يوحى إليه من اللّه ، وادعاء القدرة على تنزيل مثل ما أنزل اللّه . . وهي الدعاوى التي كان يدعيها بعض من يواجهون الدعوة الإسلامية ، وفيهم من ادعى الوحي وفيهم من ادعى النبوة .