تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1052

مساهمون:

ص١٠٥٢
فأمر بقرية النمل فحرقت . فأوحى اللّه تعالى إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ؟ » . . . ( أخرجه الشيخان ) . وهكذا علم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أصحابه هدى القرآن . ليتذوقوا رحمة اللّه من خلال مزاولتهم للرحمة . . أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات اللّه الكثيرة ؟ ! وبعد فإن استقرار هذه الحقيقة في تصور المسلم لينشئ في حسه وفي حياته وفي خلقه آثارا عميقة ؛ يصعب كذلك تقصيها ؛ ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها ، كيلا نخرج من نطاق الظلال القرآنية ، إلى قضية مستقلة ! إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه - حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء ، التي تزيغ فيها القلوب والأبصار - فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة ، وكل حالة ، وكل وضع ؛ وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه ، أو طرده من رحمته . فإن اللّه لا يطرد من رحمته أحدا يرجوها . إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون باللّه ويرفضون رحمته ويبعدون عنها ! وهذه الطمأنينة إلى رحمة اللّه تملأ القلب بالثبات والصبر ، وبالرجاء والأمل ، وبالهدوء والراحة . . فهو في كنف ودود ، يستروح ظلاله ، ما دام لا يبعد عنه في الشرود ! والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حس المؤمن الحياء من اللّه . فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يجرّئ على المعصية - كما يتوهم البعض - إنما يستجيش الحياء من اللّه الغفور الرحيم . والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقة ! لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم ، أو المغفرة ، أو الرحمة . . إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية ! كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيرا قويا في خلق المؤمن ، وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق اللّه - سبحانه - وهو يرى نفسه مغمورا برحمة اللّه مع تقصيره وذنبه وخطئه - فيعلمه ذلك كله كيف يرحم ، وكيف يعفو ، وكيف يغفر . . كما رأينا في تعليم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لأصحابه ؛ مستمدا تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة . . ومن مواضع رحمة اللّه التي تقررها الآية الكريمة : أن اللّه كتب ليجمعنهم إلى يوم القيامة :
« قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلْ : لِلَّهِ . كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ . . »
. . فمن هذه الرحمة المكتوبة ، ذلك الجمع الذي لا ريب فيه . . ذلك الجمع الذي يشي بما وراءه من عناية اللّه - سبحانه - بعباده من الناس ؛ فقد خلقهم لأمر ؛ واستخلفهم في هذه الأرض لغاية ، ولم يخلقهم عبثا ، ولم يتركهم سدى . ولكن يجمعهم إلى يوم القيامة - فهذا اليوم هو نهاية المطاف الذي يفيئون إليه كما يفيء الراحل إلى وجهته - فيعطيهم جزاء كدحهم إليه ، وينقدهم أجر عملهم في دار الدنيا . فلا يضيع عليهم كدح ولا أجر ؛ إنما يوفون أجورهم يوم القيامة . . وفي هذه العناية تتجلى الرحمة في مظهر من مظاهرها . . كما أن ما يتجلى من فضل اللّه في جزاء السيئة بمثلها ، والحسنة بعشرة أمثالها ، والإضعاف لمن يشاء ، والتجاوز عما يشاء لمن يشاء . . كل أولئك من مظاهر الرحمة التي تتجلى في هذا الجمع أيضا . ولقد كان العرب في جاهليتهم - قبل أن يمن اللّه عليهم بهذا الدين ويرفعهم إلى مستواه الكريم - يكذبون