تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 988

مساهمون:

ص٩٨٨
يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا . . فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع ، فهو استفتاء عن فرض غير محدد . وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع . والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد . والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة ؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم . ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة اللّه في أرض لا تقام فيها شريعة اللّه ، والفتوى على هذا الأساس ! . . إن شريعة اللّه لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ . . فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة اللّه ؛ ولا تعترف بسلطان اللّه في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس . . أي لا تعترف بألوهية اللّه في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه . . فما استفتاء المستفتي ؟ وما فتوى المفتي ؟ إنهما - كليهما - يرخصان شريعة اللّه ، ويستهتران بها شاعرين أو غير شاعرين سواء ! ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة . . إنها دراسة للتلهية ! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها ! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه ، ليخدر مشاعر الناس بهذا الإيهام ! إن هذا الدين جد . وقد جاء ليحكم الحياة . جاء ليعبد الناس للّه وحده ، وينتزع من المغتصبين لسلطان اللّه هذا السلطان ، فيرد الأمر كله إلى شريعة اللّه ، لا إلى شرع أحد سواه . . وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها ؛ ولتواجه بأحكام اللّه حاجات الحياة الواقعية وقضاياها ، ولتدلي بحكم اللّه في الواقعة حين تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها . ولم يجئ هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار . ولا لتكون شريعته موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة . ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع ، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكاما فقهية في الهواء ! هذا هو جد الإسلام . وهذا هو منهج الإسلام . فمن شاء من « علماء » هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة اللّه في واقع الحياة . أو على الأقل فليسكت عن الفتوى والقذف بالأحكام في الهواء ! ويبدو - بالاستناد إلى رواية مجاهد عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - ومن قول سعيد بن جبير كذلك في أسباب نزول الآية :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . . . »
أن من بين ما كانوا يسألون عنه أشياء كانت في الجاهلية . ولم نقف على معين للسؤال ما ذا كان . ولكن مجيء الحديث في السياق عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي بعد آية النهي عن السؤال يوحي بأن هناك اتصالا ما . . فنكتفي بهذا لنواجه النص القرآني عن هذه العادات الجاهلية :
« ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ . وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ، وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ : تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ، قالُوا : حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا . أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ؟ »
. . إن القلب البشري إما أن يستقيم على فطرته التي فطره اللّه عليها ؛ فيعرف إلهه الواحد ، ويتخذه ربا ، ويعترف له وحده بالعبودية ويستسلم لشرعه وحده ؛ ويرفض ربوبية من عداه فيرفض إذن أن يتلقى شريعة من سواه . . إما أن يستقيم القلب البشري على فطرته هذه فيجد اليسر في الاتصال بربه ، ويجد البساطة في عبادته ، ويجد الوضوح في علاقاته به . . وإما أن يتيه في دروب الجاهلية والوثنية ومنعرجاتها ، تتلقاه في كل درب
في ظلال القرآن — صفحة 988 | سيد قطب