تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 971

مساهمون:

ص٩٧١
وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا . فجاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إليهم ، فقال : « أنتم الذين قلتم كذا وكذا . أما واللّه إني لأخشاكم للّه وأتقاكم له . ولكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » . وأخرج الترمذي - بإسناده - عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أن رجلا أتى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي ، فحرمت عليّ اللحم فأنزل اللّه تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
. . . الآية » . . فأما الآية الخاصة بالحلف والأيمان والتي جاءت تالية في السياق :
« لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ، وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ . ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ . وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. . فالظاهر أنها نزلت لمواجهة هذه الحالة - وأمثالها - من الحلف على الامتناع عن المباح الذي آلى أولئك النفر على أنفسهم أن يمتنعوا عنه ، فردهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن الامتناع عنه ، وردهم القرآن الكريم عن مزاولة التحريم والتحليل بأنفسهم ، فهذا ليس لهم إنما هو للّه الذي آمنوا به . كما أنها تواجه كل حلف على الامتناع عن خير أو الإقدام على شر . فكل يمين يرى صاحبها أن هناك ما هو أبرّ ، فعليه أن يفعل ما هو أبرّ ، ويكفر عن يمينه بالكفارات المحددة في هذه الآية . قال ابن عباس : سبب نزولها : القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم . حلفوا على ذلك . فلما نزلت « لا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم » قالوا : كيف نصنع بأيماننا « فنزلت هذه الآية » . وقد تضمن الحكم أن اللّه - سبحانه - لا يؤاخذ المسلمين بأيمان اللغو ، التي ينطق بها اللسان دون أن يعقد لها القلب بالنية والقصد مع الحض على عدم ابتذال الأيمان بالإكثار من اللغو بها إذ أنه ينبغي أن تكون لليمين باللّه حرمتها ووقارها ، فلا تنطق هكذا لغوا . . فأما اليمين المعقودة ، التي وراءها قصد ونية ، فإن الحنث بها يقتضي كفارة تبينها هذه الآية :
« فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ . ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ »
. وطعام المساكين العشرة من « أوسط » الطعام الذي يقوم به الحالف لأهله . . و « أوسط » تحتمل أن تكون من « أحسن » أو من « متوسط » فكلاهما من معاني اللفظ . وإن كان الجمع بينهما لا يخرج عن القصد لأن « المتوسط » هو « الأحسن » فالوسط هو الأحسن في ميزان الإسلام . . أو « كسوتهم » الأقرب أن تكون كذلك من « أوسط » الكسوة . . أو « تحرير رقبة » لا ينص هنا على أنها مؤمنة . . ومن ثم يرد بشأنها خلاف فقهي ليس هذا مكانه . .
« فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ »
. . وهي الكفارة التي يعاد إليها في اليمين المعقودة عند عدم استطاعة الكفارات الأخرى . . وكون هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو غير متتابعة فيه كذلك خلاف فقهي بسبب عدم النص هنا على تتابعها . والخلافات الفقهية في هذه الفرعيات ليست من منهجنا في هذه الظلال . فمن أرادها فليطلبها في مواضعها في كتب الفقه . إذ أنها كلها تتفق على الأصل الذي يعنينا وهو أن الكفارة رد لاعتبار العقد المنقوض ، وحفظ للأيمان من الاستهانة بها ؛ وهي « عقود » وقد أمر اللّه - سبحانه - بالوفاء بالعقود . فإذا عقد الإنسان يمينه وكان هناك ما هو أبرّ فعل الأبر وكفر عن اليمين . وإذا عقدها على غير ما هو