تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 958

مساهمون:

ص٩٥٨
نجد بقية عن المعسكرات المتعددة التي تواجه الأمة المسلمة في المدينة - ومن عجب أنها هي التي تواجه حركات البعث الإسلامي دائما - والعداء الذي تنطوي عليه صدورها ؛ مع التفاوت في مواقف بعض هذه المعسكرات ؛ وميل فئات منها للهدى كبعض فئات النصارى التي استجابت لدعوة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ولانت قلوبها لما سمعت من الهدى ، وفازت بثواب اللّه وجنات تجري من تحتها الأنهار . ونجد بقية من الحديث عن حق التشريع بالحل والحرمة ؛ والنهي عن الاعتداء بالتحريم والتحليل بغير سلطان من اللّه ؛ وتذكير الذين آمنوا بتقوى اللّه في هذا الأمر الذي يتعلق به الإيمان والكفر بعد ما أعلنوا الإيمان . يتلو ذلك بقية من الأحكام التشريعية في الإيمان ، والخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، والصيد في حالة الإحرام ، وحرمة الكعبة والأشهر الحرم والهدي والقلائد . . مع التنبيه المتكرر إلى وجوب الالتزام والطاعة لما يشرعه اللّه - سبحانه - وما يأمر به نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - والنهي والتحذير من المخالفة ، والتهديد بالعذاب الأليم ، والانتقام من اللّه ، والتذكير باللّه الذي إليه يحشرون . ثم بقية في تربية الجماعة المسلمة . بتقرير القيم التي تتعامل بها ، فلا تعجبها كثرة الخبيث ولكن يعجبها الطيب الزكي . وفي أدبها الواجب مع ربها ومع رسولها . فلا تسأله عما لم يبده ولا تطلب تفصيل ما أجمله . ثم إبطال ما تبقى من تقاليد الجاهلية وشرائعها المتخلفة من شركها ووثنيتها ، في بعض أنواع الأنعام والذبائح : كالبحيرة ، والسائبة ، والوصيلة والحامي . . مع تقرير المصدر الوحيد الصحيح للتشريع في أمور الحياة كلها ؛ ورد الأمر في هذا إلى اللّه وحده ، لا إلى عرف البشر واصطلاحهم . ذلك مع تنبيه الأمة المسلمة إلى تميزها بذاتها ، وتضامنها فيما بينها ، وانفصالها عن سواها ؛ وتبعتها الخاصة ، وبراءتها من تبعات أهل الضلال ؛ ورد أمر جزائها وجزاء غيرها إلى اللّه وحده في دار الجزاء . وينتهي الحديث عن قضية التشريع كلها بحكم الإشهاد على الوصية في حالة السفر والبعد عن الحاضرة ؛ وتنظيم الإسلام لمثل هذه الأقضية في مجتمع يجاهد في سبيل اللّه ، ويضرب في الأرض كذلك للتجارة ابتغاء فضل اللّه . مع ربط التشريع بمخافة اللّه في الدنيا والآخرة . أما بقية السورة فتتضمن بقية في تصحيح عقيدة النصارى - من أهل الكتاب - ومن أجل هذا يعاد عرض طرف من قصة مريم وعيسى ؛ والمعجزات التي أجراها اللّه على يديه ؛ ومسألة المائدة التي طلبها الحواريون . . ثم تعرض قضية ألوهية عيسى وأمه ودعاوى النصارى فيها ؛ حيث يكذب عيسى - عليه السّلام - أن يكون هو قد ادعاها ، ويبرئ نفسه من هذه الفرية أمام ربه في مشهد مرهوب من مشاهد القيامة ؛ ويدع أمر قومه للّه ربه وربهم على ملأ من البشرية بأجمعها ، والرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - كلهم شهود . . وتختم السورة بتقرير ملكية اللّه للسماوات والأرض وما فيهن ، وقدرته التي لا حدود لها ولا قيود :
« لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . ومن هذا الاستعراض السريع لبقية محتويات السورة ، يتجلى التماسك في بنائها - حسب منهجها في تناول هذه المحتويات وهو المنهج الذي أشرنا إليه في مطالع السورة ونقلنا فقرات منه في مطلع هذا البيان الوجيز . فنمضي الآن بالتفصيل مع السورة في مواجهة النصوص :