تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 935

مساهمون:

ص٩٣٥
وقبل أن ننهي هذا التعليق على التقرير القرآني لتلك الحقيقة الكبيرة ، نحب أن نؤكد أهمية التناسق في منهج اللّه بين الإيمان والتقوى وإقامة المنهج في الحياة الواقعية للناس ، وبين العمل والإنتاج والنهوض بالخلافة في الأرض ؛ فهذا التناسق هو الذي يحقق شرط اللّه لأهل الكتاب - ولكل جماعة من الناس - أن يأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم في الدنيا ، وأن تكفر عنهم سيئاتهم ويدخلوا جنات النعيم في الآخرة ؛ وأن يجتمع لهم الفردوس الأرضي - بالوفرة والكفاية مع السلام والطمأنينة - وفردوس الآخرة بما فيه من نعيم ورضوان . . ولكننا مع هذا التوكيد لا نحب أن ننسى أن القاعدة الأولى والركيزة الأساسية هي الإيمان والتقوى وتحقيق المنهج الرباني في الحياة الواقعية . . فهذا يتضمن في ثناياه العمل والإنتاج والترقية والتطوير للحياة . . فضلا على أن للصلة باللّه مذاقها الذي يغير كل طعوم الحياة ؛ ويرفع كل قيم الحياة ؛ ويقوّم كل موازين الحياة . . فهذا هو الأصل في التصور الإسلامي وفي المنهج الإسلامي ، وكل شيء فيه يجيء تبعا له ، ومنبثقا منه ومعتمدا عليه . . ثم يتم تمام الأمر كله في الدنيا والآخرة في تناسق واتساق . وينبغي أن نذكر أن الإيمان والتقوى والعبادة والصلة باللّه وإقامة شريعة اللّه في الحياة . . كل أولئك ثمرته للإنسان ، وللحياة الإنسانية . فاللّه - سبحانه - غني عن العالمين . . وإذا شدد المنهج الإسلامي في هذه الأسس ، وجعلها مناط العمل والنشاط ؛ ورد كل عمل وكل نشاط لا يقوم عليها ، وعده باطلا لا يقبل ، وحابطا لا يعيش ، وذاهبا مع الريح . . فليس هذا لأن اللّه سبحانه يناله شيء من إيمان العباد وتقواهم وعبادتهم له وتحقيق منهجه للحياة . . ولكن لأنه - سبحانه - يعلم أن لا صلاح لهم ولا فلاح إلا بهذا المنهاج . . في الحديث القدسي : عن أبي ذر - رضي اللّه عنه - عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فيما روى عن ربه - تبارك وتعالى - أنه قال : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا . . يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم . . يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم . . يا عبادي ، كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم . . يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم . . يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا . . يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا . . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي ، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . . يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ؛ ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » . . ( رواه مسلم ) وعلى هذا الأساس ينبغي أن ندرك وظيفة الإيمان والتقوى والعبادة وإقامة منهج اللّه في الحياة والحكم بشريعة اللّه . . فهي كلها لحسابنا نحن . . لحساب هذه البشرية . . في الدنيا والآخرة جميعا . . وهي كلها ضروريات لصلاح هذه البشرية في الدنيا والآخرة جميعا . . ونحسب أننا لسنا في حاجة لأن نقول : إن هذا الشرط الإلهي لأهل الكتاب غير خاص بأهل الكتاب . فالشرط لأهل الكتاب يتضمن الإيمان والتقوى وإقامة منهج اللّه المتمثل في ما أنزل إليهم في التوراة والإنجيل . وما أنزل إليهم من ربهم - وذلك بطبيعة الحال قبل البعثة الأخيرة - فأولى بالشرط الذين أنزل إليهم القرآن . .