تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 930

مساهمون:

ص٩٣٠
البلاد الإسلامية وتفلح ! ولكن ينبغي ألا ننظر إلى فترة قصيرة من الزمان ولا إلى مظهر لا يشتمل على الحقيقة كاملة . ففي خلال ألف وثلاثمائة عام . . بل من قبل الإسلام . . واليهود في شحناء وفي ذل كذلك وتشرد . ومصيرهم إلى مثل ما كانوا فيه . مهما تقم حولهم الأسناد . ولكن مفتاح الموقف كله في وجود العصبة المؤمنة ، التي يتحقق لها وعد اللّه . . فأين هي العصبة المؤمنة اليوم ، التي تتلقى وعد اللّه ، وتقف ستارا لقدر اللّه ، ويحقق اللّه بها في الأرض ما يشاء ؟ ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام : تؤمن به على حقيقته ؛ وتقيم حياتها كلها على منهجه وشريعته . . يومئذ بحق وعد اللّه على شر خلق اللّه . . واليهود يعرفون هذا ، ومن ثم يسلطون كل ما في جعبتهم من شر وكيد ؛ ويصبون كل ما في أيديهم من بطش وفتك ، على طلائع البعث الإسلامي في كل شبر من الأرض ، ويضربون - لا بأيديهم - ولكن بأيدي عملائهم - ضربات وحشية منكرة ؛ لا ترعى في العصبة المؤمنة إلّا ولا ذمة . . ولكن اللّه غالب على أمره . ووعد اللّه لا بد أن يتحقق :
« وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ »
. . إن هذا الشر والفساد الذي تمثله يهود ، لا بد أن يبعث اللّه عليه من يوقفه ويحطمه ؛ فاللّه لا يحب الفساد في الأرض ؛ وما لا يحبه اللّه لا بد أن يبعث عليه من عباده من يزيله ويعفى عليه :
« وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ »
. . وفي نهاية الدرس تجيء القاعدة الإيمانية الكبرى - قاعدة أن إقامة دين اللّه في الأرض معناها الصلاح والكسب والفلاح في حياة المؤمنين في هذه الدنيا وفي الآخرة على السواء . لا افتراق بين دين ودنيا ، ولا افتراق بين دنيا وآخرة . فهو منهج واحد للدنيا وللآخرة ؛ للدنيا وللدين . . تجيء هذه القاعدة الإيمانية الكبيرة بمناسبة الحديث عن انحراف أهل الكتاب عن دين اللّه ؛ وأكلهم السحت ؛ وتحريفهم الكلم من بعد مواضعه لينالوا عرضا من أعراض هذه الأرض . . واتباع دين اللّه كان أجدى عليهم في الأرض والسماء ، وفي الدنيا والآخرة لو أنهم اختاروا الطريق :
« وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ؛ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ »
. . إن هاتين الآيتين تقرران أصلا كبيرا من أصول التصور الإسلامي ، ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية . ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل ، وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم ؛ والعقل البشري ، والموازين البشرية ، والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج ، بإزاء هذا الأمر الخطير . . إن اللّه - سبحانه - يقول لأهل الكتاب - ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب - إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم - وهذا جزاء الآخرة . وإنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج اللّه الممثل في التوراة والإنجيل وما أنزله اللّه إليهم من التعاليم - كما أنزلها اللّه بدون تحريف ولا تبديل - لصلحت حياتهم الدنيا ، ونمت وفاضت عليهم الأرزاق ، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق ، ووفرة النتاج وحسن التوزيع ، وصلاح أمر الحياة . . ولكنهم لا يؤمنون ولا يتقون ولا