عالم الشهادة وعالم الغيب . . عالم المادة وعالم ما وراء المادة . . وينقذه من ضيق الحس الحيواني المحدود ! « 1 » ويحققها له وهو يخرجه بتوحيد اللّه ، من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده ، والتساوي والتحرر والاستعلاء أمام كل من عداه . فإلى اللّه وحده يتجه بالعبادة ، ومن اللّه وحده يتلقى المنهج والشريعة والنظام ، وعلى اللّه وحده يتوكل ومنه وحده يخاف « 2 » . . ويحققها له ، بالمنهج الرباني ، حين يرفع اهتماماته ويهذب نوازعه ، ويجمع طاقته للخير والبناء والارتقاء ، والاستعلاء على نوازع الحيوان ، ولذائذ البهيمة وانطلاق الأنعام ! « 3 » ولا يدرك حقيقة نعمة اللّه في هذا الدين ، ولا يقدرها قدرها ، من لم يعرف حقيقة الجاهلية ومن لم يذق ويلاتها - والجاهلية في كل زمان وفي كل مكان هي منهج الحياة الذي لم يشرعه اللّه - فهذا الذي عرف الجاهلية وذاق ويلاتها . . ويلاتها في التصور والاعتقاد ، وويلاتها في واقع الحياة . . هو الذي يحس ويشعر ، ويرى ويعلم ، ويدرك ويتذوق حقيقة نعمة اللّه في هذا الدين . .
الذي يعرف ويعاني ويلات الضلال والعمى ، وويلات الحيرة والتمزق ، وويلات الضياع والخواء ، في معتقدات الجاهلية وتصوراتها في كل زمان وفي كل مكان . . هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الإيمان . « 4 » والذي يعرف ويعاني ويلات الطغيان والهوى ، وويلات التخبط والاضطراب ، وويلات التفريط والإفراط في كل أنظمة الحياة الجاهلية ، هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الحياة في ظل الإيمان بمنهج الإسلام . « 5 » ولقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة ، يعرفون ويدركون ويتذوقون هذه الكلمات . لأن مدلولاتها كانت متمثلة في حياتهم ، في ذات الجيل الذي خوطب بهذا القرآن . .
كانوا قد ذاقوا الجاهلية . . ذاقوا تصوراتها الاعتقادية . وذاقوا أوضاعها الاجتماعية . وذاقوا أخلاقها الفردية والجماعية . وبلوا من هذا كله ما يدركون معه حقيقة نعمة اللّه عليهم بهذا الدين ؛ وحقيقة فضل اللّه عليهم ومنته بالإسلام .
كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية ؛ وسار بهم في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة - كما فصلنا ذلك في مستهل سورة النساء « 6 » - فإذا هم على القمة ينظرون من عل إلى سائر أمم الأرض من حولهم ؛ نظرتهم إلى ماضيهم في جاهليتهم كذلك .
كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التصورات الاعتقادية حول ربوبية الأصنام ، والملائكة ، والجن ، والكواكب ، والأسلاف ؛ وسائر هذه الأساطير الساذجة والخرافات السخيفة ؛ لينقلهم إلى أفق التوحيد . إلى أفق الإيمان بإله واحد ، قادر قاهر ، رحيم ودود ، سميع بصير ، عليم خبير . عادل كامل . قريب مجيب . لا واسطة بينه وبين أحد ؛ والكل له عباد ، والكل له عبيد . . ومن ثم حررهم من سلطان الكهانة ، ومن سلطان الرئاسة ، يوم حررهم من سلطان الوهم والخرافة . .
هامش
( 1 ) يراجع تفسير سورة الفاتحة ص 21 - ص 23 وتفسير مطلع سورة البقرة : ص 39 - ص 40 الجزء الأول من الظلال .
( 2 ) راجع كتاب « هذا الدين » ص 15 - ص 20 . « دار الشروق » .
( 3 ) راجع تفسير قوله تعالى :« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً »الجزء الثاني من الظلال : ص 206 - ص 211 .
( 4 ) يراجع فصل : « تيه وركام » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . « دار الشروق » .
( 5 ) يراجع فصل : « تخبط واضطراب » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » . « دار الشروق » .
( 6 ) يراجع مقدمة الحديث عن سورة النساء في الجزء الرابع من الظلال من هذه الطبعة ص 554 - ص 571