وتشرد بعيدا عن أيدي السلطات الرومانية ! وما تزال فكرة « التثليث » تصدم عقول المثقفين من النصارى ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق ، ومن بينها الإحالة إلى مجهولات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم ينكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض ! يقول القس بوطر صاحب رسالة : « الأصول والفروع » أحد شراح العقيدة النصرانية ، في هذه القضية :
« قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا . ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل ، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض » « 1 » .
ولا نريد هنا أن ندخل في سرد تاريخي للأطوار وللطريقة التي تسللت بها هذه الفكرة إلى النصرانية . وهي إحدى ديانات التوحيد الأساسية . فنكتفي باستعراض الآيات القرآنية الواردة في سياق هذه السورة ، لتصحيح هذه الفكرة الدخيلة على ديانة التوحيد !
« يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ، وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ . إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ . فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ . انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ . إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ . سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا »
. .
فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق ، هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على اللّه غير الحق ؛ فيزعموا له ولدا - سبحانه - كما يزعمون أن اللّه الواحد ثلاثة . .
وقد تطورت عندهم فكرة البنوة ، وفكرة التثليث ، حسب رقي التفكير وانحطاطه . ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد للّه ، والذي تزيده الثقافة العقلية ، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر . ولكن عن « المحبة » بين الأب والابن . وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة . . بأنها « صفات » للّه سبحانه في « حالات » مختلفة . . وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري . فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض .
واللّه - سبحانه - تعالى عن الشركة ؛ وتعالى عن المشابهة . ومقتضى كونه خالقا يستتبع . . بذاته . . أن يكون غير الخلق . وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق . والمالك والملك . . وإلى هذا يشير النص القرآني :
« إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ . سُبْحانَهُ ! أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ؟ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . . »
وإذا كان مولد عيسى - عليه السلام - من غير أب عجيبا في عرف البشر ، خارقا لما ألفوه ، فهذا العجب إنما تنشئه مخالفة المألوف . والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود . والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة اللّه . واللّه يخلق السنة ويجريها ، ويصرفها حسب مشيئته . ولا حد لمشيئته .
واللّه - سبحانه - يقول - وقوله الحق - في المسيح :
« إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، رَسُولُ اللَّهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ »
. .
فهو على وجه القصد والتحديد : « رسول اللّه » . .
هامش
( 1 ) نقلا عن كتاب : « محاضرات في النصرانية » للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة .