تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 812

مساهمون:

ص٨١٢
وقد وصل أخناتون - في مصر القديمة - إلى عقيدة التوحيد - وحتى مع استبعاد تأثره في هذا بإشعاع عقيدة التوحيد في رسالة إبراهيم ورسالة يوسف - فإن الفجوات والأساطير التي في عقيدة أخناتون تجعل المسافة بينها وبين توحيد المسلم العادي لإلهه بعيدة بعيدة . وفي الخلق نجد في الفترة التي هيمن فيها الإسلام في صدر الإسلام نماذج للأوساط ممن رباهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لا تتطاول إليها أعناق الأفذاذ على مدار التاريخ ممن لم تخرجهم رسالة سماوية . وفي المبادئ والنظم والتشريعات لا نجد أبدا ذلك التناسق والتوازن ، مع السمو والرفعة التي نجدها في نظام الإسلام ومبادئه وتشريعاته . ولا نجد أبدا ذلك المجتمع الذي أنشأه الإسلام يتكرر لا في زمانه ولا قبل زمانه ولا بعد زمانه في أرض أخرى ، بتوازنه وتناسقه ويسر حياته وتناغمها . . إنه ليس المستوي الحضاري المادي هو الذي يكون عليه الحكم . فالحضارة المادية تنمو بنمو وسائلها التي ينشئها « العلم » الصاعد . . ولكن ميزان الحياة في فترة من الفترات هو التناسق والتوازن بين جميع أجزائها وأجهزتها وأوضاعها . . هو التوازن الذي ينشئ السعادة والطمأنينة ، والذي يطلق الطاقات الإنسانية كلها لتعمل دون كبت ودون مغالاة في جانب من جوانبها الكثيرة . . والفترة التي عاشت بالإسلام كاملا لم تبلغها البشرية - بعيدا عن الرسالة - في أي عصر . . والخلخلة وعدم الاتزان هو الطابع الدائم للحياة في غير ظل الإسلام ؛ مهما التمعت بعض الجوانب ؛ ومهما تضخمت بعض الجوانب . فإنما تلتمع لتنطفئ جوانب أخرى . وإنما تتضخم على حساب الجوانب الأخرى . . والبشرية معها تتأرجح وتحتار وتشقى « 1 » . ونقف عند هذا الحد - المناسب لسياق الظلال - في الحديث عن الإيحاءات القوية العميقة ، التي يثيرها في النفس قول اللّه تعالى :
« رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
. . لنمضي بعدها مع السياق القرآني :
« لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ . أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ . وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً »
. فإذا أنكر أهل الكتاب هذه الرسالة الأخيرة - وهي جارية على سنة اللّه في إرسال الرسل لعباده
« مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
وأهل الكتاب يعترفون بالرسل قبل محمد - صلى اللّه عليه وسلم - اليهود يعترفون بمن قبل عيسى - عليه السلام - والنصارى يعترفون بهم ، وبعيسى الذي ألهوه كما سيجيء . . فإذا أنكروا رسالتك - يا محمد - فلا عليك منهم . فلينكروا :
« لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ . أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ . وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً »
. . وفي هذه الشهادة من اللّه . . ثم من ملائكته ومنهم من حملها إلى رسوله . . إسقاط لكل ما يقوله أهل الكتاب . فمن هم واللّه يشهد ؟ والملائكة تشهد ؟ وشهادة اللّه وحدها فيها الكفاية ؟ ! وفي هذه الشهادة تسرية عن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وما يلقاه من كيد اليهود وعنتهم . وفيها كذلك تصديق وتثبيت وتطمين للمسلمين - في أول عهدهم بالإسلام بالمدينة - أمام حملة يهود التي يدل على ضخامتها هذه الحملة القرآنية المنوعة الأساليب والإيحاءات في ردها والقضاء عليها :
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » فصل : « تخبط واضطراب » « دار الشروق » .