تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 716

مساهمون:

ص٧١٦
وكان وجود هذه الطائفة في الصف المسلم ينشئ فيه حالة من الخلخلة وينشئ فيه حالة من عدم التناسق بين هذه الطائفة الجزوع الهلوع ، وبين الرجال المؤمنين ، ذوي القلوب الثابتة المطمئنة ؛ المستقبلة لتكاليف الجهاد - على كل ما فيها من مشقة - بالطمأنينة والثقة والعزم والحماسة أيضا . ولكن في موضعها المناسب . فالحماسة في تنفيذ الأمر حين يصدر هي الحماسة الحقيقية . أما الحماسة قبل الأمر ، فقد تكون مجرد اندفاع وتهور ؛ يتبخر عند مواجهة الخطر ! وكان القرآن يعالج هذه الحالة بمنهجه الرباني :
« قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ »
. . إنهم يخشون الموت ، ويريدون الحياة . ويتمنون في حسرة مسكينة ! لو كان اللّه قد أمهلهم بعض الوقت ؛ ومد لهم - شيئا - في المتاع بالحياة ! والقرآن يعالج هذه المشاعر في منابتها ؛ ويجلو غبش التصور لحقيقة الموت والأجل . .
« قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ »
. . متاع الدنيا كله . والدنيا كلها . فما بال أيام ، أو أسابيع ، أو شهور ، أو سنين ؟ ما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير . إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلا ؟ ! ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيام ، أو أسابيع ، أو شهور ، أو سنين . ومتاع الدنيا كله والدنيا بطولها قليل ! ؟
« وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى »
. . فالدنيا - أولا - ليست نهاية المطاف ولا نهاية الرحلة . . إنها مرحلة . . ووراءها الآخرة والمتاع فيها هو المتاع - فضلا على أن المتاع فيها طويل كثير - فهي
« خَيْرٌ »
. .
« خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى »
. . وتذكر التقوى هنا والخشية والخوف في موضعها . التقوى للّه . فهو الذي يتقى ، وهو الذي يخشى . وليس الناس . . الناس الذين سبق أن قال : إنهم يخشونهم كخشية اللّه - أو أشد خشية ! - والذي يتقي اللّه لا يتقي الناس . والذي يعمر قلبه الخوف من اللّه لا يخاف أحدا . فما ذا يملك له إذا كان اللّه لا يريد ؟
« وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا »
. . فلا غبن ولا ضير ولا نجس ؛ إذا فاتهم شيء من متاع الدنيا . فهناك الآخرة . وهناك الجزاء الأوفى ؛ الذي لا يبقى معه ظلم ولا نجس في الحساب الختامي للدنيا والآخرة جميعا ! ولكن بعض الناس قد تهفو نفسه - مع هذا كله - إلى أيام تطول به في هذه الأرض ! حتى وهو يؤمن بالآخرة ، وهو ينتظر جزاءها الخير . . وبخاصة حين يكون في المرحلة الإيمانية التي كانت فيها هذه الطائفة ! هنا تجيء اللمسة الأخرى . اللمسة التي تصحح التصور عن حقيقة الموت والحياة ، والأجل والقدر ؛ وعلاقة هذا كله بتكليف القتال ، الذي جزعوا له هذا الجزع ، وخشوا الناس فيه هذه الخشية !
« أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ »
. . فالموت حتم في موعده المقدر . ولا علاقة له بالحرب والسلم . ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته . ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذن ؛ ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده . .