وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء :
« تَسُرُّ النَّاظِرِينَ »
. . وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة ؛ فهذا هو الشائع في طباع الناس : أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا ، وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا .
70 - ولقد كان فيما تلكئوا كفاية ، ولكنهم يمضون في طريقهم ، يعقدون الأمور ، ويشددون على أنفسهم ، فيشدد اللّه عليهم . لقد عادوا مرة أخرى يسألون عن الماهية :
« قالُوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ »
. .
ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل :
« إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا »
. .
وكأنما استشعروا لجاجتهم هذه المرة . فهم يقولون :
« وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ »
. .
ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدا ، وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرا وضيقا ، بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة ، كانوا في سعة منها وفي غنى عنها :
71 -
« قالَ : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها »
. .
وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر . صفراء فاقع لونها فارهة فحسب . بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع ؛ وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة .
هنا فقط . . وبعد أن تعقد الأمر ، وتضاعفت الشروط ، وضاق مجال الاختيار :
« قالُوا : الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ »
. .
الآن ! كأنما كان كل ما مضى ليس حقا . أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة !
« فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ »
! ! 72 - عندئذ - وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف - كشف اللّه لهم عن الغاية من الأمر والتكليف :
« وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها ، وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ، فَقُلْنا : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها . كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ، وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ »
. .
وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة . جانب دلالتها على قدرة الخالق ، وحقيقة البعث ، وطبيعة الموت والحياة . وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة :
لقد كشف اللّه لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة . . لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم ؛ ثم جعل كل فريق 73 - يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه . ولم يكن هناك شاهد ؛ فأراد اللّه أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته ؛ وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه ، وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح . . وهكذا كان ، فعادت إليه الحياة ، ليخبر بنفسه عن قاتله ، وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله ؛ وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين .
ولكن . فيم كانت هذه الوسيلة ، واللّه قادر على أن يحيي الموتى بلا وسيلة ؟ ثم ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث ؟