الضمائر ، وهو يقول :
« وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى »
. . فهي مسألة تحرج وتقوى وخوف من اللّه إذا توقع الولي ألا يعدل مع اليتيمة في حجره ، ونص الآية مطلق لا يحدد مواضع العدل ، فالمطلوب هو العدل في كل صوره وبكل معانيه في هذه الحالة ، سواء فيما يختص بالصداق ، أو فيما يتعلق بأي اعتبار آخر . كأن ينكحها رغبة في مالها ، لا لأن لها في قلبه مودة ، ولا لأنه يرغب رغبة نفسية في عشرتها لذاتها . وكأن ينكحها وهناك فارق كبير من السن لا تستقيم معه الحياة ، دون مراعاة لرغبتها هي في إبرام هذا النكاح ، هذه الرغبة التي قد لا تفصح عنها حياء أو خوفا من ضياع مالها إذا هي خالفت عن إرادته . . إلى آخر تلك الملابسات التي يخشى ألا يتحقق فيها العدل . . والقرآن يقيم الضمير حارسا ، والتقوى رقيبا . وقد أسلف في الآية السابقة التي رتب عليها هذه التوجيهات كلها قوله :
« إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »
. .
فعند ما لا يكون الأولياء واثقين من قدرتهم على القسط مع اليتيمات اللواتي في حجورهم ، فهناك النساء غيرهن ، وفي المجال متسع للبعد عن الشبهة والمظنة :
« وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ . فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ . ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا »
. .
وهذه الرخصة في التعدد ، مع هذا التحفظ عند خوف العجز عن العدل ، والاكتفاء بواحدة في هذه الحالة ، أو بما ملكت اليمين . .
هذه الرخصة - مع هذا التحفظ - يحسن بيان الحكمة والصلاح فيها . في زمان جعل الناس يتعالمون فيه على ربهم الذي خلقهم ، ويدعون لأنفسهم بصرا بحياة الإنسان وفطرته ومصلحته فوق بصر خالقهم سبحانه ! ويقولون في هذا الأمر وذاك بالهوى والشهوة ، وبالجهالة والعمى . كأن ملابسات وضرورات جدّت اليوم ، يدركونها هم ويقدرونها ولم تكن في حساب اللّه - سبحانه - ولا في تقديره ، يوم شرّع للناس هذه الشرائع ! ! ! وهي دعوى فيها من الجهالة والعمى ، بقدر ما فيها من التبجح وسوء الأدب ، بقدر ما فيها من الكفر والضلالة ! ولكنها تقال ، ولا تجد من يرد الجهال العمي المتبجحين المتوقحين الكفار الضلال عنها ! وهم يتبجحون على اللّه وشريعته ، ويتطاولون على اللّه وجلاله ، ويتوقحون على اللّه ومنهجه ، آمنين سالمين غانمين ، مأجورين من الجهات التي يهمها أن تكيد لهذا الدين ! وهذه المسألة - مسألة إباحة تعدد الزوجات بذلك التحفظ الذي قرره الإسلام - يحسن أن تؤخذ بيسر ووضوح وحسم ؛ وأن تعرف الملابسات الحقيقية والواقعية التي تحيط بها . .
روى البخاري - بإسناده - أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم - وتحته عشر نسوة - فقال له النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « اختر منهن أربعا » . .
وروى أبو داود - بإسناده - أن عميرة الأسدي قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « اختر منهن أربعا » .
وقال الشافعي في مسنده : أخبرني من سمع ابن أبي الزياد يقول : أخبرني عبد المجيد عن ابن سهل بن عبد الرحمن ، عن عوف بن الحارث ، عن نوفل بن معاوية الديلمي ، قال : أسلمت وعندي خمس نسوة ، فقال لي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « اختر أربعا أيتهن شئت وفارق الأخرى » . .
فقد جاء الإسلام إذن ، وتحت الرجال عشر نسوة أو أكثر أو أقل - بدون حد ولا قيد - فجاء ليقول للرجال : إن هناك حدا لا يتجاوزه المسلم - هو أربع - وإن هناك قيدا - هو إمكان العدل - وإلا فواحدة . .