( 4 ) سورة النّساء مدنيّة وآياتها ستّ وسبعون ومائة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه السورة مدنية ، وهي أطول سور القرآن - بعد سورة البقرة - وترتيبها في النزول بعد سورة الممتحنة ، التي تقول الروايات : إن بعضها نزل في غزوة الفتح في السنة الثامنة للهجرة ، وبعضها نزل في غزوة الحديبية قبلها في السنة السادسة .
ولكن الأمر في ترتيب السور حسب النزول - كما بينا في مطالع الكلام على سورة البقرة في الجزء الأول - ليس قطعيا . كما أن السورة لم تكن تنزل كلها دفعة واحدة في زمن واحد . فقد كانت الآيات تتنزل من سور متعددة ؛ ثم يأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بوضع كل منها في موضعه من سورة بذاتها ، والسورة الواحدة - على هذا - كانت تظل « مفتوحة » فترة من الزمان تطول أو تقصر . وقد تمتد عدة سنوات . وفي سورة البقرة كانت هناك آيات من أوائل ما نزل في المدينة ، وآيات من أواخر ما نزل من القرآن .
وكذلك الشأن في هذه السورة . فمنها ما نزل بعد سورة الممتحنة في السنة السادسة وفي السنة الثامنة كذلك .
ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة . والمنتظر - على كل حال - أن يكون نزول آيات هذه السورة قد امتد من بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية ، إلى ما بعد السنة الثامنة ، حين نزلت مقدمة سورة الممتحنة .
ونذكر على سبيل المثال الآية الواردة في هذه السورة عن حكم الزانيات :
« وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ؛ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ، حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا »
. . فمن المقطوع به أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النور التي بينت حد الزنا :
« الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . وهذه الآية الأخيرة نزلت بعد حديث الإفك في السنة الخامسة ( أو في السنة الرابعة على رواية ) فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين نزلت : « خذوا عني . خذوا عني .
قد جعل اللّه لهن سبيلا . . . » « 1 » إلخ . وكان السبيل هو هذا الحكم الذي تضمنته آية النور .
وفي السورة نماذج كثيرة كهذا النموذج ، تدل على تواريخ نزولها على وجه التقريب . على النحو الذي بيناه في مطالع الكلام عن سورة البقرة « 2 » . .
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد في سنده والإمام مسلم في صحيحه وابن ماجة
( 2 ) ص 27 من الجزء الأول .