فلا يمنحهم اللّه النصر أبدا ، حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا . . وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة ، وهذا ما أراد اللّه - سبحانه - أن يعلمه للجماعة المسلمة ، وهي تتلقى الهزيمة المريرة والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح !
« مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ »
. .
والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب ، التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم . .
عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يريد الدنيا ، حتى نزل فينا يوم أحد :
« مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ »
« 1 » . . وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها ؛ ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها ! وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة اللّه وتدبيره ؛ وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها ؛ ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة :
« ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ »
. .
لقد كان هناك قدر اللّه وراء أفعال البشر . فلما أن ضعفوا وتنازعوا وعصوا صرف اللّه قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين ، وصرف الرماة عن ثغرة الجبل ، وصرف المقاتلين عن الميدان ، فلاذوا بالفرار . .
وقع كل هذا مرتبا على ما صدر منهم ؛ ولكن مدبرا من اللّه ليبتليهم . . ليبتليهم بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح ؛ وما يتكشف عنه هذا كله من كشف مكنونات القلوب ، ومن تمحيص النفوس ، وتمييز الصفوف - كما سيجيء .
وهكذا تقع الأحداث مرتبة على أسبابها ، وهي في الوقت ذاته مدبرة بحسابها . بلا تعارض بين هذا وذاك .
فلكل حادث سبب ، ووراء كل سبب تدبير . . من اللطيف الخبير . .
« وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ »
. .
عفا عما وقع منكم من ضعف ومن نزاع ومن عصيان ؛ وعفا كذلك عما وقع منكم من فرار وانقلاب وارتداد . . عفا عنكم فضلا منه ومنة ، وتجاوزا عن ضعفكم البشري الذي لم تصاحبه نية سيئة ولا إصرار على الخطيئة . . عفا عنكم لأنكم تخطئون وتضعفون في دائرة الإيمان باللّه ، والاستسلام له ، وتسليم قيادكم لمشيئته :
« وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ »
. .
ومن فضله عليهم أن يعفو عنهم ، ما داموا سائرين على منهجه ، مقرين بعبوديتهم له ؛ لا يدعون من خصائص الألوهية شيئا لأنفسهم ، ولا يتلقون نهجهم ولا شريعتهم ولا قيمهم ، ولا موازينهم إلا منه . . فإذا وقعت منهم الخطيئة وقعت عن ضعف وعجز أو عن طيش ودفعة . . فيتلقاهم عفو اللّه بعد الابتلاء والتمحيص والخلاص . .
153 - ويستحضر صورة الهزيمة حية متحركة :
« إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ »
. .
هامش
( 1 ) رواه ابن كثير في التفسير وقال : روي من غير وجه عن ابن مسعود . ورواه ابن مردويه في تفسيره .