« وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
. .
إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء . بل لم يطلبوا ثوابا ولا جزاء . . لم يطلبوا ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة . لقد كانوا أكثر أدبا مع اللّه ، وهم يتوجهون إليه ، بينما هم يقاتلون في سبيله . فلم يطلبوا منه - سبحانه - إلا غفران الذنوب ، وتثبيت الأقدام . . والنصر على الكفار . فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار . . إنه الأدب اللائق بالمؤمنين في حق اللّه الكريم .
148 - وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئا ، أعطاهم اللّه من عنده كل شيء . أعطاهم من عنده كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة . وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه :
« فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا ، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ »
. .
وشهد لهم - سبحانه - بالإحسان . فقد أحسنوا الأدب وأحسنوا الجهاد ، وأعلن حبه لهم . وهو أكبر من النعمة وأكبر من الثواب :
« وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »
. .
وهكذا تنتهي هذه الفقرة في الاستعراض ؛ وقد تضمنت تلك الحقائق الكبيرة في التصور الإسلامي . وقد أدت هذا الدور في تربية الجماعة المسلمة . وقد ادخرت هذا الرصيد للأمة المسلمة في كل جيل . .
149 - ثم يمضي السياق خطوة أخرى في استعراض أحداث المعركة ؛ واتخاذها محورا للتعقيبات ، يتوخى بها تصحيح التصور ، وتربية الضمائر ، والتحذير من مزالق الطريق ، والتنبيه إلى ما يحيط بالجماعة المسلمة من الكيد ، وما يبيته لها أعداؤها المتربصون :
ولقد كانت الهزيمة في أحد مجالا لدسائس الكفار والمنافقين واليهود في المدينة . وكانت المدينة لم تخلص بعد للإسلام ؛ بل لا يزال المسلمون فيها نبتة غريبة إلى حد كبير . نبتة غريبة أحاطتها « بدر » بسياج من الرهبة ، بما كان فيها من النصر الأبلج . فلما كانت الهزيمة في أحد تغير الموقف إلى حد كبير ؛ وسنحت الفرصة لهؤلاء الأعداء المتربصين أن يظهروا أحقادهم ، وأن ينفثوا سمومهم ؛ وأن يجدوا في جو الفجائع التي دخلت كل بيت من بيوت المسلمين - وبخاصة بيوت الشهداء ومن أصابتهم الجراح المثخنة - ما يساعد على ترويج الكيد والدس والبلبلة في الأفكار والصفوف .
وفي هذه الفقرة التالية من الاستعراض القرآني الموجه - وهي تمثل جسم المعركة وأضخم مشاهدها - نسمع اللّه سبحانه يدعو الذين آمنوا ليحذرهم من طاعة الذين كفروا ؛ ونسمعه - سبحانه - يعدهم النصر على عدوهم ، وإلقاء الرعب في قلبه ؛ ويذكرهم بالنصر الذي حققه لهم في أول المعركة ، حسب وعده لهم ؛ والذي إنما أضاعوه هم بضعفهم ونزاعهم وخلافهم عن أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثم يستحضر مشهد المعركة بشطريه ، في صورة فائضة بالحيوية والحركة . ثم ما أعقب الهزيمة والفزع ، من إنزال الطمأنينة في قلوب المؤمنين منهم ؛ بينما القلق والحيرة والحسرة تأكل قلوب المنافقين ، الذين ساء ظنهم باللّه سبحانه . ويكشف لهم كذلك عن جانب من حكمته الخفية وتدبيره اللطيف ، في سير الأحداث سيرتها تلك ، مع تقرير حقيقة قدر اللّه في آجال العباد . ويحذرهم في نهاية هذه الفقرة من ضلال التصورات التي يشيعها الكفار في قضية الموت