قوة ، وبجانب الثقلة رفرفة ، وبجانب النزوة الحيوانية أشواقا ربانية . . فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود ، ويربت عليه في لحظة العثرة ليحلق به إلى الأفق من جديد . ما دام يذكر اللّه ولا ينساه ، ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة ! والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « ما أصر من استغفر ، وإن عاد في اليوم سبعين مرة » « 1 » والإسلام لا يدعو - بهذا - إلى الترخص ، ولا يمجد العاثر الهابط ، ولا يهتف له بجمال المستنقع ! كما تهتف « الواقعية » ! إنما هو يقيل عثرة الضعف ، ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء ، كما يستجيش فيها الحياء ! فالمغفرة من اللّه - ومن يغفر الذنوب إلا اللّه ؟ - تخجل ولا تطمع ، وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار .
فأما الذين يستهترون ويصرون ، فهم هنالك خارج الأسوار ، موصدة في وجوههم الأسوار ! وهكذا يجمع الإسلام بين الهتاف للبشرية إلى الآفاق العلى ، والرحمة بهذه البشرية التي يعلم طاقتها . ويفتح أمامها باب الرجاء أبدا ، ويأخذ بيدها إلى أقصى طاقتها « 2 » .
. . . هؤلاء المتقون ما لهم ؟
« أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها . وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ »
. .
فهم ليسوا سلبيين بالاستغفار من المعصية . كما أنهم ليسوا سلبيين بالإنفاق في السراء والضراء ، وكظم الغيظ والعفو عن الناس . . إنما هم عاملون .
« وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ »
. . المغفرة من ربهم ، والجنة تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب اللّه . . فهنالك عمل في أغوار النفس ، وهنالك عمل في ظاهر الحياة . وكلاهما عمل ، وكلاهما حركة ، وكلاهما نماء .
وهنالك الصلة بين هذه السمات كلها وبين معركة الميدان التي يتعقبها السياق . . وكما أن للنظام الربوي - أو النظام التعاوني - أثره في حياة الجماعة المسلمة وعلاقته بالمعركة في الميدان ، فكذلك لهذه السمات النفسية والجماعية أثرها الذي أشرنا إليه في مطلع الحديث . . فالانتصار على الشح ، والانتصار على الغيظ ، والانتصار على الخطيئة ، والرجعة إلى اللّه وطلب مغفرته ورضاه . . كلها ضرورية للانتصار على الأعداء في المعركة . وهم إنما كانوا أعداء لأنهم يمثلون الشح والهوى والخطيئة والتبجح ! وهم إنما كانوا أعداء لأنهم لا يخضعون ذواتهم وشهواتهم ونظام حياتهم للّه ومنهجه وشريعته . ففي هذا تكون العداوة ، وفي هذا تكون المعركة ، وفي هذا يكون الجهاد .
وليس هنالك أسباب أخرى يعادي فيها المسلم ويعارك ويجاهد . فهو إنما يعادي للّه ، ويعارك للّه ، ويجاهد للّه ! فالصلة وثيقة بين هذه التوجيهات كلها وبين استعراض المعركة في هذا السياق . . كما أن الصلة وثيقة بينها وبين الملابسات الخاصة التي صاحبت هذه المعركة . من مخالفة عن أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن طمع في الغنيمة نشأت عنه المخالفة . ومن اعتزاز بالذات والهوى نشأ عنه تخلف عبد اللّه ابن أبيّ ومن معه .
ومن ضعف بالذنب نشأ عنه تولي من تولى - كما سيرد في السياق - ومن غبش في التصور نشأ عنه عدم رد الأمور إلى اللّه ، وسؤال بعضهم :
« هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ »
؟ وقول بعضهم :
« لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا »
. .
* * *
هامش
( 1 ) رواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد . . وفي سنده صحابي مجهول ولكن ابن كثير في تفسيره صححه وقال : « حديث حسن » .
( 2 ) يراجع بتوسع فصل : « سلام الضمير » في كتاب : « السلام العالمي والإسلام » . . « دار الشروق » .