ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين ، ليتقوا الأذى ، وليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى . . هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم - وهم غالبا - اليهود الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته ، كما أن هؤلاء كانوا يجدون في اليهود سندا وملاذا . . هؤلاء المنافقون كانوا
« إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ »
- أي بالمؤمنين - بما نظهره من الإيمان والتصديق ! 15 - وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم ، حتى يصب عليهم من التهديد ما يهد الرواسي :
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
. .
وما أبأس من يستهزئ به جبار السماوات والأرض وما أشقاه ! ! وإن الخيال ليمتد إلى مشهد مفزع رعيب ، وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب .
وهو يقرأ :
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
. . فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته ، واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته ، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ ، غافلة عن المقبض المكين . . وهذا هو الاستهزاء الرعيب ، لا كاستهزائهم الهزيل الصغير .
وهنا كذلك تبدو تلك الحقيقة التي أشرنا من قبل إليها . حقيقة تولي اللّه - سبحانه - للمعركة التي يراد بها المؤمنون . وما وراء هذا التولي من طمأنينة كاملة لأولياء اللّه ، ومصير رعيب بشع لأعداء اللّه الغافلين ، المتروكين في عماهم يخبطون ، المخدوعين بمد اللّه لهم في طغيانهم ، وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم ، والمصير الرعيب ينتظرهم هنالك ، وهم غافلون يعمهون ! 16 - والكلمة الأخيرة التي تصور حقيقة حالهم ، ومدى خسرانهم :
« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ، فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ »
. . فلقد كانوا يملكون الهدى لو أرادوا . كان الهدى مبذولا لهم . كان في أيديهم . ولكنهم
« اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى »
، كأغفل ما يكون المتجرون :
« فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ »
. .
17 - ولعلنا نلمح أن الحيز الذي استغرقه رسم هذه الصورة الثالثة قد جاء أفسح من الحيز الذي استغرقه رسم الصورة الأولى والصورة الثانية . .
ذلك أن كلّا من الصورتين الأوليين فيه استقامة على نحو من الأنحاء ، وفيه بساطة على معنى من المعاني . .
الصورة الأولى صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها ، والصورة الثانية صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها . أما الصورة الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة المقلقة . وهي في حاجة إلى مزيد من اللمسات ، ومزيد من الخطوط كما تتحدد وتعرف بسماتها الكثيرة . .
على أن هذه الإطالة توحي كذلك بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة لإيذاء الجماعة المسلمة ، ومدى التعب والقلق والاضطراب الذي كانوا يحدثونه ؛ كما توحي بضخامة الدور الذي يمكن أن يقوم به المنافقون في كل وقت داخل الصف المسلم ، ومدى الحاجة للكشف عن ألاعيبهم ودسهم اللئيم .
وزيادة في الإيضاح ، يمضي السياق يضرب الأمثال لهذه الطائفة . ويكشف عن طبيعتها ، وتقلباتها وتأرجحها ليزيد هذه الطبيعة جلاء وإيضاحا :