ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير ، الآمرون بالمعروف ، الناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ، ويحتملوا تكاليفه . وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ، ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم ، وثقلة المطامع . .
وزادهم هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان . وسندهم هو اللّه . . وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد . وكل عدة سوى عدة الإيمان تفلّ ، وكل سند غير سند اللّه ينهار ! وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما هنا فقد وصفها اللّه سبحانه بأن هذه صفتها . ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية ، التي تعرف بها في المجتمع الإنساني . فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع الإيمان باللّه - فهي موجودة وهي مسلمة . وإما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة ، وغير متحققة فيها صفة الإسلام .
وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة ، ندعها لمواضعها . وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وتوجيهاته نقتطف بعضها :
عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » « 1 » وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم ، فلم ينتهوا ، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم ، فضرب اللّه تعالى قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم . . ثم جلس - وكان متكئا - فقال : « لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا » « 2 » أي تعطفوهم وتردوهم .
وعن حذيفة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن اللّه أن يبعث عليكم عقابا منه ، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم » « 3 » .
وعن عرس ابن عميرة الكندي - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها » « 4 » .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر » . . « 5 » وعن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « سيد الشهداء حمزة . ورجل قام إلى سلطان جائر ، فأمره ونهاه ، فقتله » « 6 » . .
وغيرها كثير . . وكلها تقرر أصالة هذه السمة في المجتمع المسلم ، وضروراتها لهذا المجتمع أيضا . وهي تحتوي مادة توجيه وتربية منهجية ضخمة . وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته « 7 » ثم نعود إلى الشطر الآخر من الآية الأولى في هذه المجموعة . .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم .
( 2 ) أخرجه أبو داود والترمذي .
( 3 ) أخرجه الترمذي .
( 4 ) أخرجه أبو داود .
( 5 ) أخرجه أبو داود والترمذي .
( 6 ) رواه الحاكم والضياء عن جابر رضي اللّه عنه .
( 7 ) يراجع بتوسع كتاب : « قبسات من الرسول » لمحمد قطب فصل : « قبل أن تدعوا فلا أجيب » . دار الشروق .