تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
الملائكة - فلا بد إذن أن تكون شيئا آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب ! وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنسا نشأ نشأة ذاتية ، وأن له اعتبارا خاصا في نظام الكون ، ليس لسائر الأحياء ! وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا ، إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارئ لما عرضناه جدلا حول نشأة الإنسان ! المهم هنا أن اللّه يخبرنا عن نشأة سر الحياة ؛ وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات . . وقد شاء اللّه - بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة - أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقا معينا . طريق التقاء ذكر وأنثى . واجتماع بويضة وخلية تذكير . فيتم الإخصاب ، ويتم الإنسال . والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة . ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة . . حتى شاء اللّه أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان . فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى . وإن لم تكن مثلها تماما . أنثى فقط . تتلقى النفخة التي تنشئ الحياة ابتداء . فتنشأ فيها الحياة ! أهذه النفخة هي الكلمة ؟ آلكلمة هي توجه الإرادة ؟ آلكلمة :
« كُنْ »
التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة ؟ والكلمة هي عيسى ، أو هي التي منها كينونته ؟ كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات . . وخلاصتها هي تلك : أن اللّه شاء أن ينشئ حياة على غير مثال . فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشئ الحياة بنفخة من روح اللّه . ندرك آثارها ، ونجهل ماهيتها . ويجب أن نجهلها . لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض ، ما دام إنشاء الحياة ليس داخلا في تكليف الاستخلاف ! والأمر هكذا سهل الإدراك . ووقوعه لا يثير الشبهات ! وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من اللّه اسمه المسيح عيسى بن مريم . . فتضمنت البشارة نوعه ، وتضمنت اسمه ونسبه . وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه . . ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه :
« وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ »
. . 46 - كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده
« وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ »
. . ولمحة من مستقبله :
« وَكَهْلًا »
. . وسمته والموكب الذي ينتسب إليه :
« وَمِنَ الصَّالِحِينَ »
. . 47 - فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة ، فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة . واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان :
« قالَتْ : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ؟ »
. . وجاءها الجواب ، يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول ألفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل ، ومألوفهم المحدود :
« قالَ : كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ . إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ »
. . وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب ، وتزول الحيرة ، ويطمئن القلب ؛ ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب : كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب ! ! وهكذا كان القرآن ينشئ التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب . وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة ، ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء . .
في ظلال القرآن — صفحة 398 | سيد قطب