تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وهكذا نرى أن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب ؛ ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب . . إنما كانوا يحاربونها أولا في عقيدتها . كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك ، ونثر الشبهات وتدبير المناورات ! كانوا يعمدون أولا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها ، ومنها قام وجودها ، فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين . ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تماما - أن هذه الأمة لا تؤتي إلا من هذا المدخل ؛ ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها ؛ ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها ؛ ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان ، مرتكنة إلى ركنه ، سائرة على نهجه ، حاملة لرايته ، ممثلة لحزبه ، منتسبة إليه ، معتزة بهذا النسب وحده . ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية ، ويحيد بها عن منهج اللّه وطريقه ، ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة . إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي قبل كل شيء معركة هذه العقيدة . وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات ، فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة ، لأنهم يعلمون بالتجارب الطويلة أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها ، ملتزمة بمنهجها ، مدركة لكيد أعدائها . . ومن ثم يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة ، ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال ، وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور ! وكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة ، والتشكيك فيها ، والتوهين من عراها ، استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة . ولكن لنفس الغاية القديمة :
« وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ! ! ! »
. . فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة ! لهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أولا . . كان يأخذ الجماعة المسلمة بالتثبيت على الحق الذي هي عليه ؛ وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب ؛ ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين ؛ ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض ، ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية . وكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين ، ويكشف لها نواياهم المستترة ووسائلهم القذرة ، وأهدافهم الخطرة ، وأحقادهم على الإسلام والمسلمين ، لاختصاصهم بهذا الفضل العظيم . . وكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود . فيبين لها هزال أعدائها ، وهوانهم على اللّه ، وضلالهم وكفرهم بما أنزل اللّه إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء . كما يبين لها أن اللّه معها ، وهو مالك الملك المعز المذل وحده بلا شريك . وأنه سيأخذ الكفار ( وهو تعبير عنا عن اليهود ) بالعذاب والنكال ؛ كما أخذ المشركين في بدر منذ عهد قريب . وكانت هذه التوجيهات تتمثل في أمثال هذه النصوص :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ . إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ »
. .
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ . كَدَأْبِ آلِ »
في ظلال القرآن — صفحة 354 | سيد قطب