إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا . رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ . وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا . . . »
.
وقد فرض في السورة على المؤمنين القتال ؛ وأمروا بالجهاد والإنفاق في سبيل اللّه لدفع الكفر والكافرين . .
وهي تختم بالتجاء المؤمنين إلى ربهم يستمدون منه العون على ما كلفهم ، والنصر على عدوهم :
« أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
.
إنه الختام الذي يلخص ويشير ويتناسق مع خط السورة الأصيل . .
وفي هاتين الآيتين كل كلمة لها موضعها ، ولها دورها ، ولها دلالتها الضخمة . وهي قائمة في العبارة لتمثيل ما وراءها - وهو كبير - من حقائق العقيدة . . من طبيعة الإيمان في هذا الدين وخصائصه وجوانبه . ومن حال المؤمنين به مع ربهم ، وتصورهم لما يريده - سبحانه - بهم ، وبالتكاليف التي يفرضها عليهم . ومن التجائهم إلى كنفه واستسلامهم لمشيئته وارتكانهم إلى عونه . . نعم . . كل كلمة لها دورها الضخم . بصورة عجيبة . عجيبة حتى في نفس من عاش في ظلال القرآن ، وعرف شيئا من أسرار التعبير فيه ؛ وطالع هذه الأسرار في كل آية من آياته ! فلننظر في هذه النصوص بشيء من التفصيل :
* * *
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ . كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . وَقالُوا : سَمِعْنا وَأَطَعْنا . غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
. .
إنها صورة للمؤمنين ، للجماعة المختارة التي تمثلت فيها حقيقة الإيمان فعلا . ولكل جماعة تتمثل فيها هذه الحقيقة الضخمة . . ومن ثم كرمها اللّه - سبحانه - وهو يجمعها - في حقيقة الإيمان الرفيعة - مع الرسول - - صلى اللّه عليه وسلم - وهو تكريم تدرك الجماعة المؤمنة حقيقته ؛ لأنها تدرك حقيقة الرسول الكبيرة ؛ وتعرف أي مرتقى رفعها اللّه إليه عنده ، وهو يجمع بينها وبين الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في صفة واحدة ، في آية واحدة ، من كلامه الجليل :
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ »
. .
وإيمان الرسول بما أنزل من ربه هو إيمان التلقي المباشر . تلقي قلبه النقي للوحي العلي . واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة . الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كد ولا محاولة ؛ وبلا أداة أو واسطة . وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها فلا يصفها إلا من ذاقها ، ولا يدركها من الوصف - على حقيقتها - إلا من ذاقها كذلك ! فهذا الإيمان - إيمان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - هو الذي يكرم اللّه عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم . على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بطبيعة الحال وكيان أيّ سواه ممن لم يتلق الحقيقة المباشرة من مولاه .
فما هي طبيعة هذا الإيمان وحدوده ؟
« كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . وَقالُوا : سَمِعْنا وَأَطَعْنا . غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
. .
إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا الدين . الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة لدين اللّه ، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة ، الضاربة الجذور في أعماق الزمان ، السائرة في موكب الدعوة وموكب