تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
يحارب آل المغيرة هناك إذا لم يكفوا عن التعامل الربوي . وقد أمر - صلى اللّه عليه وسلم - في خطبته يوم فتح مكة بوضع كل ربا في الجاهلية - وأوله ربا عمه العباس - عن كاهل المدينين الذي ظلوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام بفترة طويلة ، حتى نضج المجتمع المسلم ، واستقرت قواعده ، وحان أن ينتقل نظامه الاقتصادي كله من قاعدة الربا الوبيئة . وقال صلى اللّه عليه وسلم في هذه الخطبة : « وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين . وأول ربا أضع ربا العباس » . . ولم يأمرهم برد الزيادات التي سبق لهم أخذها في حال الجاهلية . فالإمام مكلف - حين يقوم المجتمع الإسلامي - أن يحارب الذين يصرون على قاعدة النظام الربوي ، ويعتون عن أمر اللّه ، ولو أعلنوا أنهم مسلمون . كما حارب أبو بكر - رضي اللّه عنه - مانعي الزكاة ، مع شهادتهم أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وإقامتهم للصلاة . فليس مسلما من يأبى طاعة شريعة اللّه ، ولا ينفذها في واقع الحياة ! على أن الإيذان بالحرب من اللّه ورسوله أعم من القتال بالسيف والمدفع من الإمام . فهذه الحرب معلنة - كما قال أصدق القائلين - على كل مجتمع يجعل الربا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي . هذه الحرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة . وهي حرب على الأعصاب والقلوب . وحرب على البركة والرخاء . وحرب على السعادة والطمأنينة . . حرب يسلط اللّه فيها بعض العصاة لنظامه ومنهجه على بعض . حرب المطاردة والمشاكسة . حرب الغبن والظلم . حرب القلق والخوف . . وأخيرا حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول . الحرب الساحقة الماحقة التي تقوم وتنشأ من جراء النظام الربوي المقيت . فالمرابون أصحاب رؤوس الأموال العالمية هم الذين يوقدون هذه الحروب مباشرة أو عن طريق غير مباشر . وهم يلقون شباكهم فتقع فيها الشركات والصناعات . ثم تقع فيها الشعوب والحكومات . ثم يتزاحمون على الفرائس فتقوم الحرب ! أو يزحفون وراء أموالهم بقوة حكوماتهم وجيوشها فتقوم الحرب ! أو يثقل عبء الضرائب والتكاليف لسداد فوائد ديونهم ، فيعم الفقر والسخط بين الكادحين والمنتجين ، فيفتحون قلوبهم للدعوات الهدامة فتقوم الحرب ! وأيسر ما يقع - إن لم يقع هذا كله - هو خراب النفوس ، وانهيار الأخلاق ، وانطلاق سعار الشهوات ، وتحطم الكيان البشري من أساسه ، وتدميره بما لا تبلغه أفظع الحروب الذرية الرعيبة ! إنها الحرب المشبوبة دائما . وقد أعلنها اللّه على المتعاملين بالربا . . وهي مسعرة الآن ؛ تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة ؛ وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم كلما رأت تلال الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع . . وكانت هذه التلال حرية بأن تسعد البشر لو أنها نشأت من منبت زكي طاهر ؛ ولكنها - وهي تخرج من منبع الربا الملوث - لا تمثل سوى ركام يخنق أنفاس البشرية ، ويسحقها سحقا ؛ في حين تجلس فوقه شرذمة المرابين العالميين ، لا تحس آلام البشرية المسحوقة تحت هذا الركام الملعون ! لقد دعا الإسلام الجماعة المسلمة الأولى ، ولا يزال يدعو البشرية كلها إلى المشرع الطاهر النظيف ، وإلى التوبة من الإثم والخطيئة والمنهج الوبيء :
« وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ . لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ »
. . فهي التوبة عن خطيئة . إنها خطيئة الجاهلية . الجاهلية التي لا تتعلق بزمان دون زمان ، ولا نظام دون نظام . . إنما هي الانحراف عن شريعة اللّه ومنهجه متى كان وحيث كان . . خطيئة تنشئ آثارها في مشاعر الأفراد وفي أخلاقهم وفي تصورهم للحياة . وتنشئ آثارها في حياة الجماعة وارتباطاتها العامة . وتنشئ آثارها في الحياة