تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
كانت الدروس الثلاثة الماضية في هذا الجزء تدور - في جملتها - حول إنشاء بعض قواعد التصور الإيماني ؛ وإيضاح هذا التصور ؛ وتعميق جذوره في نواح شتى . وكان هذا محطا في خط السورة الطويلة ؛ التي تعالج - كما أسلفنا - إعداد الجماعة المسلمة للنهوض بتكاليف دورها في قيادة البشرية . ومنذ الآن إلى قرب نهاية السورة يتعرض السياق لإقامة قواعد النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي يريد الإسلام أن يقوم عليها المجتمع المسلم ؛ وأن تنظم بها حياة الجماعة المسلمة . إنه نظام التكافل والتعاون الممثل في الزكاة المفروضة والصدقات المتروكة للتطوع . وليس النظام الربوي الذي كان سائدا في الجاهلية . ومن ثم يتحدث عن آداب الصدقة . ويلعن الربا ، ويقرر أحكام الدين والتجارة في الدروس الآتية في السورة . وهي تكون في مجموعها جانبا أساسيا من نظام الاقتصاد الإسلامي والحياة الاجتماعية التي تقوم عليها . وبين الدروس الثلاثة الآتية صلة وثيقة فهي ذات موضوع واحد متشعب الأطراف . . موضوع النظام الاقتصادي الإسلامي . وفي هذا الدرس نجد الحديث عن تكليف البذل والإنفاق ، ودستور الصدقة والتكافل . والإنفاق في سبيل اللّه هو صنو الجهاد الذي فرضه اللّه على الأمة المسلمة ، وهو يكلفها النهوض بأمانة الدعوة إليه ، وحماية المؤمنين به ، ودفع الشر والفساد والطغيان ، وتجريده من القوة التي يسطو بها على المؤمنين ، ويفسد بها في الأرض ، ويصد بها عن سبيل اللّه ، ويحرم البشرية ذلك الخير العظيم الذي يحمله إليها نظام الإسلام ، والذي يعد حرمانها منه جريمة فوق كل جريمة ، واعتداء أشد من الاعتداء على الأرواح والأموال . ولقد تكررت الدعوة إلى الإنفاق في السورة . فالآن يرسم السياق دستور الصدقة في تفصيل وإسهاب . يرسم هذا الدستور مظللا بظلال حبيبة أليفة ؛ ويبين آدابها النفسية والاجتماعية . الآداب التي تحوّل الصدقة عملا تهذيبيا لنفس معطيها ؛ وعملا نافعا مربحا لآخذيها ؛ وتحوّل المجتمع عن طريقها إلى أسرة يسودها التعاون والتكافل ، والتواد والتراحم ؛ وترفع البشرية إلى مستوى كريم : المعطي فيه والآخذ على السواء . ومع أن التوجيهات التي وردت في هذا الدرس تعد دستورا دائما غير مقيد بزمن ولا بملابسات معينة ، إلا أنه لا يفوتنا أن نلمح من ورائه أنه جاء تلبية لحالات واقعة كانت النصوص تواجهها في الجماعة المسلمة يومذاك - كما أنها يمكن أن تواجهها في أي مجتمع مسلم فيما بعد - وأنه كانت هناك نفوس شحيحة ضنينة بالمال تحتاج إلى هذه الإيقاعات القوية ، والإيحاءات المؤثرة ؛ كما تحتاج إلى ضرب الأمثال ، وتصوير الحقائق في مشاهد ناطقة كيما تبلغ إلى الأعماق ! كان هناك من يضن بالمال . فلا يعطيه إلا بالربا . وكان هناك من ينفقه كارها أو مرائيا . وكان هناك من يتبع النفقة بالمن والأذى . وكان هناك من يقدم الرديء من ماله ويحتجز الجيد . . وكل هؤلاء إلى جانب المنفقين في سبيل اللّه مخلصين له ، الذين يجودون بخير أموالهم ، وينفقون سرا في موضع السر وعلانية في موضع العلانية في تجرد وإخلاص ونقاء . . كان هؤلاء وكان أولئك في الجماعة المسلمة حينذاك . وإدراك هذه الحقيقة يفيدنا فوائد كثيرة . . يفيدنا أولا في إدراك طبيعة هذا القرآن ووظيفته . فهو كائن حي متحرك . ونحن نراه في ظل هذه الوقائع يعمل ويتحرك في وسط الجماعة المسلمة ؛ ويواجه حالات واقعة فيدفع هذه ويقر هذه ؛ ويدفع الجماعة المسلمة ويوجهها . فهو في عمل دائب ، وفي حركة دائبة . . إنه في ميدان المعركة وفي ميدان الحياة . . وهو العنصر