تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وتبين حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة وهو يقول :
« قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »
. . فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخاه ويحرص عليه . والكفر هو الغي الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه ويتقي أن يوصم به . والأمر كذلك فعلا . فما يتدبر الإنسان نعمة الإيمان ، وما تمنحه للإدراك البشري من تصور ناصع واضح ، ، وما تمنحه للقلب البشري من طمأنينة وسلام ، وما تثيره في النفس البشرية من اهتمامات رفيعة ومشاعر نظيفة ، وما تحققه في المجتمع الإنساني من نظام سليم قويم دافع إلى تنمية الحياة وترقية الحياة . . ما يتدبر الإنسان نعمة الإيمان على هذا النحو حتى يجد فيها الرشد الذي لا يرفضه إلا سفيه ، يترك الرشد إلى الغي ، ويدع الهدى إلى الضلال ، ويؤثر التخبط والقلق والهبوط والضآلة على الطمأنينة والسلام والرفعة والاستعلاء ! ثم يزيد حقيقة الإيمان إيضاحا وتحديدا وبيانا :
« فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها »
. . إن الكفر ينبغي أن يوجه إلى ما يستحق الكفر ، وهو « الطاغوت » . وإن الإيمان يجب أن يتجه إلى من يجدر الإيمان به وهو
« اللَّهُ »
. والطاغوت صيغة من الطغيان ، تفيد كل ما يطغى على الوعي ، ويجور على الحق ، ويتجاوز الحدود التي رسمها اللّه للعباد ، ولا يكون له ضابط من العقيدة في اللّه ، ومن الشريعة التي يسنها اللّه ، ومنه كل منهج غير مستمد من اللّه ، وكل تصور أو وضع أو أدب أو تقليد لا يستمد من اللّه . فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره ويؤمن باللّه وحده ويستمد من اللّه وحده فقد نجا . . وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروة الوثقى لا انفصام لها . وهنا نجدنا أمام صورة حسية لحقيقة شعورية ، ولحقيقة معنوية . . إن الإيمان باللّه عروة وثيقة لا تنفصم أبدا . . إنها متينة لا تنقطع . . ولا يضل الممسك بها طريق النجاة . . إنها موصولة بمالك الهلاك والنجاة . . والإيمان في حقيقته اهتداء إلى الحقيقة الأولى التي تقوم بها سائر الحقائق في هذا الوجود . . حقيقة اللّه . . واهتداء إلى حقيقة الناموس الذي سنه اللّه لهذا الوجود ، وقام به هذا الوجود . والذي يمسك بعروته يمضي على هدى إلى ربه ؛ فلا يرتطم ولا يتخلف ولا تتفرق به السبل ولا يذهب به الشرود والضلال .
« وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . يسمع منطق الألسنة ، ويعلم مكنون القلوب . فالمؤمن الموصول به لا يبخس ولا يظلم ولا يخيب . 257 - ثم يمضي السياق يصور في مشهد حسي حي متحرك طريق الهدى وطريق الضلال ؛ وكيف يكون الهدى وكيف يكون الضلال . . يصور كيف يأخذ اللّه - ولي الذين آمنوا - بأيديهم ، فيخرجهم من الظلمات إلى النور . بينما الطواغيت - أولياء الذين كفروا - تأخذ بأيديهم فتخرجهم من النور إلى الظلمات ! إنه مشهد عجيب حي موح . والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء ، جيئة من هنا وذهابا من هناك . بدلا من التعبير الذهني المجرد ، الذي لا يحرك خيالا ، ولا يلمس حسا ، ولا يستجيش وجدانا ، ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ . فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية ، فلنحاول أن نضع في مكان هذا المشهد الحي تعبيرا