تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
والمناسبة كذلك واضحة في سياق السورة كله . فمعظم الجدل في السياق كان بين الجماعة المسلمة الناشئة في المدينة وبين بني إسرائيل - كما هو واضح من خلال الجزءين الأولين - ومن ثم يجيء الحديث هنا عن اختلاف أتباع الرسل من بعدهم واقتتالهم - بعد ما كفر منهم من كفر وآمن منهم من آمن - يجيء الحديث عن هذا الاختلاف والاقتتال في موضعه المناسب . لتمضي الأمة المسلمة في طريقها ، تواجه بني إسرائيل وغيرهم وفق ما يقتضيه الموقف الواقعي بين أتباع الرسل : المستقيمين على الهدى والمنحرفين عن الطريق . ولتنهض هذه الأمة بتبعاتها ، فهي الجماعة المهتدية التي ينبغي أن تكافح المنحرفين . لهذا يعقب ذلك البيان عن الرسل وأتباعهم والاختلاف والاقتتال دعوة حارة إلى الإنفاق
« مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ »
. . فالإنفاق هو فريضة المال الملازمة لفريضة الجهاد في جميع الأحوال ؛ وبخاصة في الحالة التي كانت فيها الجماعة المسلمة ، التي يتجهز فيها الغزاة في سبيل اللّه من مالهم ومن مال المنفقين في سبيل اللّه . ثم بيان لقواعد التصور الإسلامي الذي يقوم عليه وجود الجماعة المسلمة . وهو بيان عن وحدانية اللّه وحياته ، وقيامه على كل شيء وقيام كل شيء به ، وملكيته المطلقة لكل شيء ، وعلمه المحيط بكل شيء ، وهيمنته الكاملة على كل شيء ، وقدرته الكاملة وحفظه لكل شيء . . لا شفاعة عنده إلا بإذنه ، ولا علم إلا ما يهبه وذلك ليمضي المسلم في طريقه ، واضح التصور لعقيدته ، التي يقوم عليها منهجه كله :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ »
. . ثم هو يقاتل في سبيل اللّه ، لا ليكره الناس على عقيدته هذه وعلى تصوره ؛ ولكن ليتبين الرشد من الغيّ . وتنتفي عوامل الفتنة والضلالة . ثم ليكن من أمر الناس بعد ذلك ما يكون :
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . وهو يمضي مطمئنا في طريقه ، في كنف اللّه وولايته ، واثقا من هداية اللّه ورعايته :
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
. . وهكذا تمضي هذه الفقرات المتتابعة في مطلع هذا الجزء . تمضي في الطريق الذي اتخذته السورة منذ مطالعها . لتحقيق أهدافها في حياة الجماعة المسلمة وغاياتها . يلي ذلك استطراد في توضيح التصور الإيماني لحقيقة الموت وحقيقة الحياة . . في سلسلة من التجارب يذكر إبراهيم - عليه السلام - في تجربتين منها ، ويذكر شخص آخر لا يفصح عن اسمه في التجربة الثالثة . . وتنتهي كلها إلى إيضاح لحقيقة الموت ولحقيقة الحياة وارتباطهما مباشرة بإرادة اللّه وعلمه ؛ واستعصاء هذا السر على الإدراك البشري أن يعرف كنهه ؛ فهو فوق مجال الإدراك ، ومرده إلى اللّه وحده دون سواه . وعلاقة هذا الاستطراد بأمر القتال والجهاد واضحة ؛ كما أن علاقته بتصحيح التصور الإيماني بصفة عامة ، واضحة كذلك . ومن هنا يبدأ في حديث طويل عن الارتباطات التي يقوم عليها المجتمع المسلم . فيقرر أن التكافل هو قاعدة
في ظلال القرآن — صفحة 276 | سيد قطب