تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
« فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »
. . وتذكيرهم بأن اللّه
« عَزِيزٌ »
يحمل التلويح بالقوة والقدرة والغلبة ، وأنهم يتعرضون لقوة اللّه حين يخالفون عن توجيهه . . وتذكير هم بأنه
« حَكِيمٌ »
. . فيه إيحاء بأن ما اختاره لهم هو الخير ، وما نهاهم هو الشر ، وأنهم يتعرضون للخسارة حين لا يتبعون أمره ولا ينتهون عما نهاهم عنه . . فالتعقيب بشطريه يحمل معنى التهديد والتحذير في المقام . . بعد ذلك يتخذ السياق أسلوبا جديدا في التحذير من عاقبة الانحراف عن الدخول في السلم واتباع خطوات الشيطان . فيتحدث بصيغة الغيبة بدلا من صيغة الخطاب :
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ؟ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. . . . وهو سؤال استنكاري عن علة انتظار المترددين المتلكئين الذين لا يدخلون في السلم كافة . ما الذي يقعد بهم عن الاستجابة ؟ وما ذا يرتقبون ؟ تراهم سيظلون ويتلكئون حتى يأتيهم اليوم الرعيب الموعود ، الذي قال اللّه سبحانه : إنه سيأتي فيه في ظلل من الغمام ، ويأتي الملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ؟ وفجأة - وبينما نحن أمام السؤال الاستنكاري الذي يحمل طابع التهديد الرعيب - نجد أن اليوم قد جاء ، وأن كل شيء قد انتهى ، وأن القوم أمام المفاجأة التي كان يلوح لهم بها ويخوفهم إياها :
« وَقُضِيَ الْأَمْرُ »
. . وطوي الزمان ، وأفلتت الفرصة ، وعزت النجاة ، ووقفوا وجها لوجه أمام اللّه ؛ الذي ترجع إليه وحده الأمور :
« وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. . إنها طريقة القرآن العجيبة ، التي تفرده وتميزه من سائر القول . الطريقة التي تحيي المشهد وتستحضره في التو واللحظة ، وتقف القلوب إزاءه وقفة من يرى ويسمع ويعاني ما فيه ! فإلى متى يتخلف المتخلفون عن الدخول في السلم ؛ وهذا الفزع الأكبر ينتظر هم ؟ بل هذا الفزع الأكبر يدهمهم ! والسلم منهم قريب . السلم في الدنيا والسلم في الآخرة يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا . يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا . يوم يقضى الأمر . . وقد قضي الأمر !
« وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. . هنا يلتفت السياق لفتة أخرى . فيخاطب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يكلفه أن يسأل بني إسرائيل - وهم نموذج التلكؤ في الاستجابة كما وصفتهم هذا السورة من قبل - : كم آتاهم اللّه من آية بينة ثم لم يستجيبوا ! وكيف بدلوا نعمة اللّه ، نعمة الإيمان والسلم ، من بعد ما جاءتهم :
« سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ : كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ، وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. . والعودة هنا إلى بني إسرائيل عودة طبيعية ، فهنا تحذير من موقف بنو إسرائيل فيه أصلاء ! موقف التلكؤ دون الاستجابة ؛ وموقف النشوز وعدم الدخول في السلم كافة ؛ وموقف التعنت وسؤال الخوارق ، ثم