وفي الوقت ذاته كان الأمر شاقا على المسلمين من العرب ، الذين ألفوا في الجاهلية أن يعظموا حرمة البيت الحرام ؛ وأن يجعلوه كعبتهم وقبلتهم . وزاد الأمر مشقة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر ، واتخاذه حجة عليهم ! وكان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يقلب وجهه في السماء متجها إلى ربه ، دون أن ينطق لسانه بشيء ، تأدبا مع اللّه ، وانتظار لتوجيهه بما يرضاه . .
ثم نزل القرآن يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - :
« قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ »
. .
وتقول الروايات : إن هذا كان في الشهر السادس عشر أو السابع عشر أو السابع عشر من الهجرة ، وإن المسلمين حينما سمعوا بتحويل القبلة ، كان بعضهم في منتصف صلاة ، فحولوا وجوههم شطر المسجد الحرام في أثناء صلاتهم ، وأكملوا الصلاة تجاه القبلة الجديدة .
عندئذ انطلقت أبواق يهود - وقد عز عليهم أن يتحول محمد - صلى اللّه عليه وسلم - والجماعة المسلمة عن قبلتهم ، وأن يفقدوا حجتهم التي يرتكنون إليها في تعاظمهم وفي تشكيك المسلمين في قيمة دينهم - انطلقت تلقي في صفوف المسلمين وقلوبهم بذور الشك والقلق في قيادتهم وفي أساس عقيدتهم . . قالوا لهم : إن كان التوجه - فيما مضى - إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة ؛ وإن كانت حقا فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل ، وضائعة صلاتكم إليه كلها . . وعلى أية حال فإن هذا النسخ والتغيير للأوامر - أو للآيات - لا يصدر من اللّه ، فهو دليل على أن محمدا لا يتلقى الوحي من اللّه ! وتتبين لنا ضخامة ما أحدثته هذه الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف الإسلامي من مراجعة ما نزل من القرآن في هذا الموضوع ، منذ قوله تعالى :
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها »
- وقد استغرق درسين كاملين في الجزء الأول - ومن مراجعة هذا الدرس في هذا الجزء أيضا . ومن التوكيدات والإيضاحات والتحذيرات التي سندرسها فيما يلي تفصيلا عند استعراض النص القرآني .
أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة ، واختصاص المسلمين بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها . فقد كان هذا حادثا عظيما في تاريخ الجماعة المسلمة ، وكانت له آثار ضخمة في حياتها . .
لقد كان تحويل القبلة أولا عن الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة تربوية أشارت إليها آية في هذا الدرس :
« وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ »
. . فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم ، ويعدونه عنوان مجدهم القومي . . ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب للّه ، وتجريدها من التعلق بغيره ، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط باللّه مباشرة ، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم . . فقد نزعهم نزعا من الاتجاه إلى البيت الحرام ، واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى ، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية ، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا من كل إيحاء آخر ، اتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة ، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ ؛ أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد . .
حتى إذا استسلم المسلمون ، واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وفي الوقت