وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن . إن أمر العقيدة هو شغله الشاغل ، وهو همه الأول . وشعور إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - بقيمة النعمة التي أسبغها اللّه عليهما . . نعمة الإيمان . . تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما ، وإلى دعاء اللّه ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام . . لقد دعوا اللّه ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان ؛ وأن يريهم جميعا مناسكهم ، ويبين لهم عباداتهم ، وأن يتوب عليهم . بما أنه هو التواب الرحيم .
ثم ألا يتركهم بلا هداية في أجيالهم البعيدة :
« رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ . إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. .
وكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل هي بعثة هذا الرسول الكريم بعد قرون وقرون . بعثة رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل ، يتلو عليهم آيات ، اللّه ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويطهرهم من الأرجاس والأدناس .
إن الدعوة المستجابة تستجاب ، ولكنها تتحقق في أوانها الذي يقدره اللّه بحكمته . غير أن الناس يستعجلون ! وغير الواصلين يملون ويقنطون ! وبعد فإن لهذا الدعاء دلالته ووزنه فيما كان يشجر بين اليهود والجماعة المسلمة من نزاع عنيف متعدد الأطراف .
إن إبراهيم وإسماعيل اللذين عهد اللّه إليهما برفع قواعد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والمصلين ، وهما أصل سادني البيت من قريش . . إنهما يقولان باللسان الصريح :
« رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ »
. .
« وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ »
. . 129 - كما يقولان باللسان الصريح :
« رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ »
. . وهما بهذا وذاك يقرران وراثة الأمة المسلمة لإمامة إبراهيم ، ووراثتها للبيت الحرام سواء . وإذن فهو بيتها الذي تتجه إليه ، وهي أولى به من المشركين . وهو أولى بها من قبلة اليهود والمسيحيين ! وإذن فمن كان يربط ديانته بإبراهيم من اليهود والنصارى ، ويدعي دعاواه العريضة في الهدى والجنة بسبب تلك الوراثة ، ومن كان يربط نسبه بإسماعيل من قريش . . فليسمع : إن إبراهيم حين طلب الوراثة لبنيه والإمامة ، قال له ربه :
« لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
. . ولما أن دعا هو لأهل البلد بالرزق والبركة خص بدعوته :
« مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ »
. . وحين قام هو وإسماعيل بأمر ربهما في بناء البيت وتطهيره كانت دعوتهما : أن يكونا مسلمين للّه ، وأن يجعل اللّه من ذريتهما أمة مسلمة ، وأن يبعث في أهل بيته رسولا منهم . .
فاستجاب اللّه لهما ، وأرسل من أهل البيت محمد بن عبد اللّه ، وحقق على يديه الأمة المسلمة القائمة بأمر اللّه .
الوارثة لدين اللّه .
130 - وعند هذا المقطع من قصة إبراهيم ، يلتقط السياق دلالته وإيحاءه ، ليواجه بهما الذين ينازعون الأمة المسلمة الإمامة ؛ وينازعون الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - النبوة والرسالة ؛ ويجادلون في حقيقة دين اللّه الأصيلة الصحيحة :
« وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ؟ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا ، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . 131 - إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ . قالَ : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ . وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ »
. .
هذه هي ملة إبراهيم . . الإسلام الخالص الصريح . . لا يرغب عنها وينصرف إلا ظالم لنفسه ، سفيه عليها ،