تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيان السعادة في مقامات العبادة — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
بحسب الظّاهر ، والأوفق بحسب التّأويل ان يكون المراد بالتّين جهة النّفس العمّالة الالهيّة ، وبالزّيتون جهتها العلّامة فانّهما مسجدان في العالم الصّغير
وَطُورِ سِينِينَ
سينين وسينا بالمدّ مكسورة السّين ومفتوحتها ، وسينى بفتح السّين والقصر يضاف إليها الطّور ، وقد مضى في سورة المؤمنون بيان لها
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
اى مكّة ، وكونها أمينا لجعلها مأمنا بالمواضعة ومأمنا بمحض مشيّة اللّه حيث ابتلى بعض من أراد التّعرّض لها كأصحاب الفيل ، وطور سينين بحسب التّأويل في العالم الصّغير إشارة إلى الجهة العليا من النّفس الّتى يناجي الصّاعد عليها ربّه ويشاهد حضرته ، وهذا البلد الأمين إلى مقام القلب ونواحيه ، وعن الكاظم ( ع ) انّه قال : قال رسول اللّه ( ص ) انّ اللّه تبارك وتعالى اختار من البلد ان أربعة فقال تعالى : والتّين والزّيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين فالتّين المدينة ، والزّيتون بيت المقدس ، وطور سينين الكوفة ، وهذا البلد الأمين مكّة ، وقال القمّىّ : التّين رسول اللّه ( ص ) ، والزّيتون أمير المؤمنين ( ع ) ، وطور سينين الحسن ( ع ) والحسين ( ع ) ، وهذا البلد الأمين الائمّة ، وعن الكاظم ( ع ) التّين والزّيتون الحسن ( ع ) والحسين ( ع ) ، وطور سيناء علىّ بن أبي طالب ( ع ) ، وهذا البلد الأمين محمّد ( ص ) ، وهذه الأخبار إشارة إلى بعض وجوه التّأويل
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
قوّمه جعله معتدلا ، وقوّمه أزال عوجه ، وكون الإنسان في أحسن تقويم بحسب الصّورة والمعنى مشهود ومحسوس فانّه جعل جميع اجزائه وأعضائه مناسبا وموافقا له ، وجعل جميع مراتبه العالية أيضا مناسبا وموافقا ، وإذا لوحظ مع كلّ مولود من النّبات والحيوان كان أحسن تعديلا منه
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
نكّر السّافلين للإشارة إلى انّهم من فظاعة حالهم ونكارة تسفّلهم لا يمكن تعريفهم فانّهم يجعلهم اخسّ وأسفل من النّسوان والأطفال والمجانين ، أو جعلناه من أهل أسفل دركات الجحيم ، وقد فسّر الإنسان بمنافقى الامّة في الاخبار فيكون الاستثناء منقطعا ، وان كان المراد مطلق الإنسان وهو الأوفق كان الاستثناء متّصلا وكان المعنى لقد خلقنا هذا الجنس في ضمن جميع الإفراد في أحسن تقويم بحسب صورته وباطنه ، ثمّ رددناه أسفل سافلين بحسب صورته وبحسب باطنه حيث أنزلناه إلى أسفل دركات الجحيم
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
بالبيعة العامّة أو بالبيعة الخاصّة
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
قد مضى مكرّرا بيان هذه العبارة يعنى لا نردّهم أسفل سافلين
فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
يعنى بسبب انّ لهم اجرا غير مقطوع أو غير ممنون به عليهم فانّ المؤمنين كما يكونون من اوّل الصّبا في النّمو بحسب الصّورة يكونون في النّموّ بحسب الباطن إلى آخر العمر ليس ينقص زيادة العمر من ايمانهم شيئا ، وكما يكونون بحسب الباطن في النّموّ يكون أكثرهم بحسب الظّاهر في ازدياد البهاء والنّضرة إلى آخر العمر
فَما يُكَذِّبُكَ
كذّب بالأمر من باب التّفعيل أنكره ، وكذّبه حمله على الكذب وجعله كاذبا وعدّه كاذبا والمعنى اىّ شيء يحملك أو يجعلك أو يعدّك كاذبا
بَعْدُ
اى بعد هذا الدّليل المشهود المحسوس على الحشر
بِالدِّينِ
بالحشر والجزاء ، أو بسبب هذا الدّين الّذى أنت عليه ، أو بولاية علىّ ( ع ) أو بعلىّ ( ع ) ، والخطاب خاصّ بمحمّد ( ص ) على التّعريض أو عامّ
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
اى أحسن الحاكمين في حكمه أو اشدّ المتقنين في إتقان صنعه يعنى انّك إذا نظرت إلى صورة الإنسان وسيرته أيقنت بانّه أحسن حكما واتقن صنعا من كلّ صانع ، ومن كان كذلك لا يهمل صنعه الّذى عمل فيه دقائق الصّنع الّتى تحيّر فيها أولوا الألباب ولا يبطله بلا غاية ، فانّ أدنى صانع إذا كان عاقلا لا يبطل صنعه من غير فائدة .