التجديد الذي طرأ على أصول الفقه ابتداء بأعمال مرتضى الأنصاري في نهاية القرن التاسع عشر ؛ وحركة الإصلاح التي ظهرت بعد ذلك بقليل في جبل عامل ، والتي تشكل مركز هذه الدراسة .
إن ما يذكي تساؤلاتنا الآتية هو طبعا حركة الإصلاح بما هي ظاهرة تاريخية ، أكثر من العقيدة التي يستند إليها العلماء المسلمون ويدعون إليها . ولا بأس بمقارنة هذه الحركة بحركة الإصلاح التي قامت في المسيحية في أوروپا في القرن السادس عشر ، باعتبار أنها كانت تهدف ، من جهة إلى العودة بالدين إلى صورته البدائية ، ومن جهة أخرى إلى المواءمة بين النصوص الدينية وبين مقتضيات العقل . على أن حركة الإصلاح هذه قد أحدثت شرخا جذريا في الديانة المسيحية ظهرت منه الكنيسة البروتستانتية ، وليس هذا هو الحال في الإسلام .
وقد يكفي أن نتابع العناوين في لائحة المراجع حول موضوعنا حتى ندرك أن العرف لدى المستشرقين الفرنسيين يقول باستعمال لفظة
emsimrof ? er
( أي حركة الإصلاح ) ، أما العرف لدى المستشرقين الناطقين بالإنكليزية أو الألمانية فهو استعمال لفظة
emsinredom
( حركة الحداثة أو المعاصرة ) « 30 » . على أنه من الواضح أن الفريقين يشير ان إلى الظاهرة نفسها ، وهي ظاهرة تلجأ إلى الإصلاح والتحديث معا فيما يتعلق بأمور الدين . فالفرنسيون ، على ما يبدو ، يرجحون كفّة العودة إلى نصوص الدين في صورته الأصلية . أما الناطقون بالإنكليزية أو بالألمانية فيركزون على التصادم بين الدين والعلوم الحديثة وتقنياتها ، متجنبين بذلك الخلط بين موضوع دراساتهم وحركات إصلاحية أخرى متقدمة في تاريخ الإسلام ، كحركة ابن تيمية ( ت - 1328 ) ، أو حركة الوهابيين التي لا صلة لها بالحداثة « 31 » . ونعتمد في هذا الكتاب تقاليد المدرسة الفرنسية التي بقيت أمينة على معنى لفظة « الإصلاح » العربية ، ولم ترفض لفظة « الحداثة » وهي تنطبق في كثير من الأحوال على الاتجاه السائد لدى رجال الدين العامليين .
ونذكر في الختام ، أن الدراسة المتعلقة بتلازم عبارتي : العودة إلى الأصول / الحداثة ، تهدف إلى تحسين المعرفة بتاريخ الإسلام المعاصر ، كذلك فإنها تبيّن التنازع الذي ما انفك إلى اليوم ، يحدث ردود الفعل والنقاشات في صلب المجتمع الإسلامي . بالإضافة إلى ذلك ، تساهم هذه الدراسة في تعميق البحث في التيارات الفكرية الحالية . فإن المسألة لدى المسلمين ، تبقى في إيجاد توازن - أو في رفض هذا التوازن لدى بعضهم - بين حداثة مستوردة من الغرب ، أو مفروضة من قبله ، وبين رؤية للعالم تستقي أمثلتها من العصر الذهبي العربي في القرن السابع الميلادي . والحق أن كل نتاج دعاة الإصلاح يتخذ وجهة البحث عن هذا التناغم القادر على التخفيف من الشعور بسوء الحال الذي أصاب المجتمعات الإسلامية منذ بداية انهيار الأمبراطورية العثمانية ، وذلك باللجوء إلى تحرك
هامش
( 30 ) . نذكر هنا دافيد كومينس) snimmoC divaD (باعتباره شذّ عن القاعدة في أعماله حول علماء دمشق فاستعمل الإصلاح والمصلح) tsimrofeR , mrofeR ( .أنظر العناوين في لائحة المراجع .
( 31 ) . أخص بالشكر البروفسور « ورنر إيند » لتوضيحه أفكاري حول هذه المسألة بعرضه وجهة نظره فيها .