اللحم من لحّام قيل له أنه يسبّ الدين . فلم يبق لهذا اللحام زبون واحد ، فذهب إلى الشيخ تائبا « 181 » . وكان مثل هذه الحوادث يتناقل بين الناس في جبل عامل حيث كان الناس يجلّون اسمه ، إلى درجة أنهم كانوا يذكرونه في عباراتهم الشائعة كقول النساء : « يا بركة الله وبركة الشيخ عبد الله » ، وهن يملأن الماء أو يأخذن الحبّ أو الطحين . كذلك فإن أراد أحدهم التهكم على الآخر وقد أطال صلاته ، يقول له : « هل صلاتك صلاة الشيخ عبد الله » « 182 » . فقد كان لهؤلاء المجتهدين سلطة كبيرة على رعيتهم إذ كانوا يعتبرون مثالا يحتذى وبهم تحل نعمة الله .
V
- صورة رجل الدين في الجماعة
كما أنّ حلاقة اليافوخ كانت تدل على رجل الدين في الغرب ، فإن العمامة تشكل السمة المميزة لدى العلماء . وكلما كبرت العمامة ، كان الرجل أعلم ؛ كما لو كانت سعة علمه تقاس بنسبة عظم عمامته . ولم يسلم ذلك من أن يكون موضوع هزء وتهكم ، ليس في جبل عامل وفي الفترة التي ندرسها فحسب ، بل قبل ذلك بكثير . روى نعمة الله الجزائري ( ت - 1701 ) ، وهو عالم من جنوب العراق ، في سيرته الذاتية ، كيف أنه هزئ ، وهو ما يزال فتى ، من جهل رجل دين يعتم بعمامة ضخمة حتى أنها كانت تشبه القبّة ؛ وقد سأله نعمة الله عن صيغة فعل ، فلم يحر جوابا ، فقال له : إن كنت لا تعرف هذه الصيغة فكيف لك أن تعتمّ بهذه العمامة الضخمة ؟ « 183 » . أما في لبنان فإننا نستشهد بهذا المقطع من قصيدة نشرتها مجلة العرفان في العقد الثالث من القرن العشرين وهي لعلي النقي زغيب ( 1867 - 1937 ) وهو عالم دين من بعلبك ، يستنكر فيها جهل رجال الدين ممن أساؤوا دراستهم بسبب الخلل في نظام التعليم الديني ؛ وقد علق محرر المجلة على القصيدة بهذا المثل الشعبي :
« من يرى القبّة يظنّ أن تحتها مزارا » ثم ترد هذه الأبيات :
وبعض العمائم فوق الرؤوس * كهذي القباب لدى الأقيسه
إذا شمتها من بعيد تقول * تبارك ذاك الشكل ما أكيسه
تراها وقد شمخت للسماء * تميل حبها أرؤس مفلسه
وإمّا نظرت بطياتها * رأيت الطلاسم والبسبسه « 184 » .
هامش
( 181 ) . أنظر : الأعيان المجلد الثامن ص 60 .
( 182 ) . المرجع السابق .
( 183 ) . أنظر :? iri ? azaJ - la h ? allA tam iN fo yhpargoibotuA ehT : sralohcS eht fo romuH ehT « : trawetS niveD 75 . p , 9891 , 4 / 42 , seidutS nainarI , » ) 1071 / 2111 . d (هذه المقالة هي تقديم لنص الجزائري وترجمة انكليزية له .
( 184 ) . مجلة العرفان ، المجلد الخامس والعشرون ص 540 ، تشرين الثاني 1934 . حول على النقي زغيب ، أنظر : حسن نصر الله ، تاريخ بعلبك ، مؤسسة الوفاء ، بيروت المجلد الأول ص 379 - 399 .