تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيان السعادة في مقامات العبادة — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
يُعْلِنُونَ
قد تكرّر فيما مضى انّ مكنونات الصّدور تصدق على الإرادات والعزمات والخيالات والخطرات ولكن المكنونات حقيقة هي القوى المكمونة في النّفوس الّتى لم يطّلع عليها صاحبوها ولم يعلم بها الّا اللّه والّا من كان من اللّه ، وامّا ما كان من قبيل الخطرات والخيالات فهو معلن لصاحبه وللملائكة الموكّلة به وهذه الجملة عطف في معنى التّعليل فانّ اختيار الخيرة لا يتأتّى الّا ممّن يعلم القوى المكمونة الّتى لا ظهور لها لا لصاحبها ولا لغيره
وَهُوَ اللَّهُ
عطف وكالنّتيجة لسابقه فانّ الّذى كان محصورا فيه خلق ما يشاء واختيار الخيرة لكلّ مخلوق وعلم الجليّات والخفيّات كان محصورا فيه الآلهة ، واستحقاق العبادة وجميع إضافات المبدئيّة وجميع الصّفات المحمودة لكلّ محمود في الدّنيا والآخرة لكونه مبدء لها وكون فاعل الشّيء أولى به من قابله فكأنّه قال فهو اللّه
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى
في الدّار الأولى والدّار الآخرة أو في النّظرة الأولى الّتى لا نظر فيها الّا إلى المخلوق لانّ الخالق هو الّذى يكون ظاهرا في المخلوق بصورته فما ينسب إلى المخلوق في النّظرة الأولى فهو منسوب إلى الخالق وفي النّظرة الآخرة الّتى يفنى فيها كلّ تعيّن ومهيّة ويبقى فيها الخالق بخالقيّته
وَلَهُ الْحُكْمُ
فيهما
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
بعد العود أو في نظر البصير لانّ الكلّ في نظره يرجع بوجوده وأفعاله وأوصافه إلى اللّه بمعنى انّ البصير يرى وجود الكلّ وجودا للّه ظاهرا بصورته وكذا أفعاله وأوصافه
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ
قد مضى في سورة الأنعام بيان لهذه الكلمة عند قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ
إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً
دائما طويلا
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ
لمّا كان المقصود من النّهار الضّياء الّذى به يبصرون ويتعيّشون أتى موضع النّهار بالضّياء
أَ فَلا تَسْمَعُونَ
ولمّا كان الضّياء بنفسه مطلوبا ونافعا ويكون طلب المكاسب والمعايش بسبب الانتفاع به لم يأت بوصف للضّياء مثل قرينه
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
لمّا كان العنوان في القرين الاوّل اللّيل وكان المناسب لعنوان اللّيل السّماع دون الأبصار أتى هناك بقوله أفلا تسمعون توبيخا أو تقريرا لسماعهم بخلاف القرين الثّانى فانّ العنوان فيه النّهار والمناسب له الأبصار وأيضا لمّا كان السّماع إشارة إلى مقام التّقليد والأبصار إلى مقام التّحقيق كما قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ
لَهُ قَلْبٌ
اى بصيرة قلبيّة بها يبصر الأشياء كما هي ، أو ألقى السّمع يعنى في مقام التّقليد والمتابعة كان المناسب للّيل السّماع المشار به إلى مقام التّقليد وللنّهار الّذى هو محلّ الأبصار وسبب الشّهود الّذى هو التّحقيق الأبصار الّذى هو سبب التّحقيق
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
عطف على أرأيتم ونتيجة لسابقه
لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
لفّ ونشر مرتّب
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
اى لعلّكم تتنبّهون نعمه العديدة المندرجة في اختلاف اللّيل والنّهار وانّ في اختلافهما حيوة كلّ ذي حيوة وبقاءه ونماء كلّ ذي نماء وكماله ، وانّه لولا اختلافهما لما وجد من المواليد شيء فتشكروا تلك النّعم المندرجة في اختلافهما ، وتشكروا نفس تلك النّعمة الّتى هي اللّيل والنّهار
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
لمّا كان المقصود من هذه الآية التّعريض بالامّة واشراكهم بالولاية وكان أصل الدّين والتّوحيد توحيد الولاية وأصل الإلحاد والكفر والإشراك الكفر والإشراك بالولاية كرّرها بألفاظها وبغير ألفاظها
وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً
ولمّا كان المقصود التّعريض بالامّة فسّروا هذه الآية بفرق أمّة محمّد ( ص ) وبإمامهم الّذى هو من آل محمّد ( ص ) وهو شهيد عليهم
فَقُلْنا هاتُوا
ايّها الأمم المشركة بولاية إمامكم والكافرة بها
بُرْهانَكُمْ
على اشراككم
فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ
في مظاهره الّذين هم شهداؤه عليهم
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
من ائمّتهم الباطلة والإتيان بالافعال المذكورة