تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيان السعادة في مقامات العبادة — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
وكفّار لأنّه يستر انعام الحقّ في النّعمة ولا ينظر إلى الانعام ولا إلى المنعم بل إلى ذات النّعمة من غير اعتبار كونها نعمة من غيره بل يضيفها إلى نفسه ويقول : انّما أوتيته على علم واستحقاق من نفسي
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ
واذكر أو ذكّر قومك دعوة إبراهيم ( ع ) ومقالته فانّ فيها ترغيبا إلى الخيرات وترهيبا عن الإشراك ومعرفة لبعض أو صاف اللّه وتعليما لطريق التّضرّع والمسألة منه وبيانا لشرف ذرّيّته وفي بيان شرفهم ترغيب للخلق إليهم ، وفي رغبتهم إليهم نجاة لهم في الآخرة وشرافة في الدّنيا
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
ذا امن . اعلم ، انّ بلدة مكّة وعمارتها كانت بسعى إبراهيم ( ع ) وتعميره كما انّ البيت كان بسعيه وتعميره فكان البلد مظهرا لصدره المنشرح بالإسلام المطهّر من الوساوس والأرجاس ، والبيت مظهرا لقلبه الّذى هو بيت اللّه الحقيقىّ وقد أجاب تعالى شأنه دعاءه حيث جعل صدره مأمنا عن كلّ شرّ وفساد وبلده مأمنا بالمواضعة لأمره التّكليفىّ ان لا يتعرّض لأحد ولا لحيوان ولا نبات كان في الحرم
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
المصنوعة أو أصنام الاهوية أو كلّ ما يطاع ويعبد من دون اذن اللّه
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
صرن سببا لاضلالهم أو أضللن بما ظهر من الشّيطان على صورهنّ من خوارق العادات وأيضا رؤساء الضّلالة الّذين هم الأصنام البشريّة أضللن كثيرا من النّاس
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
الفاء جواب شرط محذوف كأنّه قال : فان أجبتني إلى مسئولى فمن تبعني فانّه منّى فأجبني في حقّه أيضا والمقصود بالتّبعيّة التّبعيّة الحقيقيّة الّتى تحصل بالبيعة العامّة أو الخاصّة ولمّا كان التّابع يصير بتلك البيعة مرتبطا بالمتبوع بل متولّدا منه من حيث لطيفته التّابعة الرّوحية فالتّابع بتلك التّبعيّة يصير جزء من المتبوع فيصير بعضا منه ويصير متولّدا منه فيصير ناشئا منه
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فعاملهم بشأنك لا بشأنهم وقد ورد في أخبارنا الاماميّة انّ من أحبّنا فهو منّا ، ومن أطاعنا فهو منّا ، ومن اتّقى وأصلح فهو منّا أهل البيت
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي
بعض ذرّيّتى وهو إسماعيل وقد ورد في أخبارنا : نحن بقيّة تلك الذّريّة ونحن هم ، ونحن بقيّة تلك العترة وكانت دعوة إبراهيم ( ع ) لنا خاصّة
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
وادي مكّة
عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
الّذى حرّم التّهاون به والتّعرّض بمن كان في نواحيه وما كان فيها
رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ
لمّا كان المقيم في بلد الصّدر المنشرح بالإسلام والطّائف حول بيت القلب مقيما للصّلوة متوجّها إلى اللّه وكان بلد مكّة وبيت الكعبة مظهرين لهما كان من كان مقيما فيهما وكان فيه لطيفة الهيّة يتوجّه إلى اللّه توجّها أقوى وأتمّ ، ولذلك جعل الغاية إقامة الصّلوة
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ
اى من بعضهم ، وفي أخبارنا انّه لم يعن النّاس كلّهم أولئك أنتم ونظراؤكم ؛ بالخطاب لشيعتهم ، وورد انّه : ينبغي للنّاس ان يحجّوا هذا البيت ويعظّموه لتعظيم اللّه ايّاه وان يلقونا حيث كنّا ، نحن الادلّاء على اللّه
تَهْوِي إِلَيْهِمْ
قرئ بكسر الواو وفتحها من هوى إذا سقط ، وهوى إذا احبّ ، وعلى اىّ تقدير فهو يدلّ على كمال المحبّة والاشتياق ، وورد في أخبارنا : انّ دعوة إبراهيم ( ع ) كانت في حقّنا حيث لم يقل تهوى اليه حتّى يرجع إلى البيت بل قال إليهم حالكون الضّمير راجعا إلى الّذرّية ، وفي هذه الدّعوة طلب للتّوسعة على الّذرّيّة وطلب للنّجاة والفلاح للخلق
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
ثمرات الأشجار الطّبيعيّة وثمرات الأشجار الرّوحيّة وهي الوداد والانقياد والذّوق والمعرفة والوصال والاتّحاد وغير ذلك ممّا يظهر في المعاد
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
وبعد إتمام ما أراد من الدّعاء انتقل من مقام التّضرّع إلى مقام الثّناء مثنيا بما يعين