وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
المراد بهما المعروفان وقد مضى في بيان الميزان ما يمكنك التّعميم به وكذا في سائر فقرات الآية ، والتّقييد بالقسط امّا للتّأكيد أو للمنع من إعطاء الزّيادة على قدر الاستحباب فانّه كالتّبذير الممنوع أو مورث لجهالة المكيل والموزون المفسدة للمعاملة ولذا جاء بقوله
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
معترضا فانّ القسط الحقيقىّ في الإيفاء هو أداء تمام ما حقّه ان يؤدّى بحيث لا يزيد ولا ينقص حبّة وهو أمر ليس في وسع البشر
وَإِذا قُلْتُمْ
في حكومة إذا حكّمكم النّاس أو في شهادة أو إصلاح أو نصح أو ترحّم أو سخط أو معاش أو معاد أو واجب أو مباح بألسنتكم أو بسائر أعضائكم أو بقواكم العلّامة أو العمّالة
فَاعْدِلُوا
توسّطوا بين الإفراط والتّفريط في الأقوال والأحوال والأفعال ، والتّأدية بصورة الشّرط وبلفظ إذا والمضىّ للإشارة إلى انّ القول غير مأمور به لكنّ الإنسان لا يخلو عن قول ما خصوصا على التّعميم المذكور ويكون مأمورا بالتّوسّط في القول
وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
جسمانيّا أو روحانيّا في العالم الكبير أو الصّغير
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
تقديم المعمول للاهتمام به ولشرافته ولإبراز العلّة للأمر قبل الإتيان به لا لقصد الحصر أو للحصر أيضا بناء على انّ الوفاء بسائر العهود من شرائط عهد اللّه ، اعلم ، انّ العهد والعقد والميثاق والبيعة مع اللّه في عرف أهل اللّه إذا أطلقت يراد بها البيعة العامّة النّبويّة أو البيعة الخاصّة الولويّة ، وبالأولى يحصل الإسلام وبالثّانية يحصل الايمان وتسمّى تلك البيعة بيعة ومبايعة ، لانّ البائع بتلك البيعة يبيع نفسه وماله بثمن هو الجنّة كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
وتسمّى عهدا ومعاهدة لتعهّد البائع والمشترى القيام بما عليهما وعقدا لانعقاد يد البائع على يد المشترى وميثاقا لاستحكام ذلك العهد بتقبّل الشّروط من الطّرفين ووثوق كلّ بالآخر بذلك العقد ، ولمّا كان المشترى منصوبا من اللّه ووكيلا منه في تلك المبايعة صحّ نسبتها إلى اللّه
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ،
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
،
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
،
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ،
أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ،
وغير ذلك من الآيات والاخبار الدّالّة على نسبة هذه إلى اللّه
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
التّذكّر هو الالتفات إلى المعلوم والاستشعار به بعد الغفلة عنه أو مطلقا وهو من صفات العقل كما انّ الغفلة من صفات النّفس ولذا اخّره عن قوله تعقلون وكرّر ذلك للإشارة إلى مراتب المعاصي وانّ بعضها لا يصدر عن العاقل ، وبعضها لا يصدر عن المتذكّر وان كان قد يصدر عن العاقل الغافل ، وبعضها لا يصدر عن المتّقى وان كان قد يصدر عن العاقل المتذكّر والمراد بالتّقوى في قوله
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
، هو التّقوى الحقيقيّة الّتى هي الرّجوع عن طرق النّفس المعوّجة واتّباع ائمّة الجور إلى طريق القلب واتّباع الامام الحقّ ، والعاقل المتذكّر ما لم يصل إلى الامام الحقّ لا يمكنه الرّجوع إلى طريق القلب ولذا اقتصر هناك على اتّباع الصّراط المستقيم
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
قرئ بفتح همزة انّ وتشديد النّون أو تخفيفه مخفّفة من المثقّلة وحينئذ تكون مع بعدها عطفا على أن لا تشركوا واعتبار الحرمة فيه باعتبار ترك المتابعة ، أو تكون بتقدير اللّام متعلّقا بقوله اتّبعوه وقرئ بكسر همزة انّ فتكون عطفا على تعالوا ، وقرئ صراط ربّك وصراط ربّكم وهذا إشارة إلى المستفاد ممّا ذكر من قوله
أَلَّا تُشْرِكُوا