وقد جعله اللّه حدا تنتهى عنده الدنيا ، وتجتمع فيه الخلائق ، ليرى كل امرئ ما قدمت يداه ، فيجازى المحسن بإحسانه ، ويعاقب المسئ بإساءته .
ثم بين هذا اليوم وزاد في تفخيمه وتهويله فقال :
( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً )
أي يوم ينفخ في الصور فتحيون وتبعثون من قبوركم وتأتون إلى الموقف من غير تلبث ، وإمام كل أمة رسولها كما قال سبحانه
« يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ »
.
( وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً )
أي وانشقت السماء وتصدعت . وقد جاء نحو هذا في آيات كثيرة كقوله :
« إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ »
. وقوله :
« إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ »
.
وقوله :
« يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ »
.
ذاك أنه يحصل اضطراب في نظام الكواكب ، فيذهب التماسك بينها ، ولا يكون فيما يسمى سماء إلا مسالك وأبواب ، لا يلتقى فيها شئ بشيء ، وذلك هو خراب العالم العلوي كما يخرب الكون السفلى .
( وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً )
أي إن الجبال لا تكون في ذلك اليوم على ثباتها المعروف . بل يذهب ما كان لها من قرار وتعود كأنها سراب يرى من بعد .
فإذا قربت منه لم تجد شيئا . لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها .
والخلاصة - إنه سبحانه ذكر أحوال الجبال بوجوه مختلفة . فذكر أول أحوالها وهو الاندكاك بقوله :
« وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً »
ثم ذكر أنها تصير كالعهن المنفوش كما قال :
« وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ »
.
ثم ذكر أنها تصير هباء كما قال :
« وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا . فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا »
ثم ذكر أنها تنسف وتحملها الرياح كما جاء في قوله :
« وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ »
، ثم ذكر أنها تصير سرابا ، أي لا شئ كما في هذه الآية .