فطارت منه شعلة في الأرض وشعلة في السماء ، إذا وصفوه بالإفراط في الغضب ، من قبل أن الغضب إنما يحدث حين غليان دم القلب ، والدم حين الغليان يأخذ حجما أكبر من حجمه ، فتتمدد الأوعية الدموية في البدن ، وكلما كان الغضب أشد كان تمددها أكثر حتى تكاد تتقطع وينفصل بعضها من بعض .
ثم بين سبحانه عدله في خلقه وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة وإرسال الرسول إليه فقال :
( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ )
أي كلما طرح في جهنم جماعة من الكفار سألهم مالك وأعوانه من الزبانية سؤال تقريع وتوبيخ : هل أتتكم رسل من ربكم تنذركم شديد بأسه ، وعظيم عقابه لمن عصاه وخالف أمره .
ونحو الآية قوله تعالى :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
.
حينئذ يجيبهم هؤلاء مع التحسر على ما فات والندم على ما كان .
( قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ )
أي بلى جاءنا الرسول وأنذرنا فكذبناه وقلنا له : إن اللّه لم يوح إليك بشيء ولم يبعثك رسولا ، وما أنت إلا بشر مثلنا ، فما أنت فيما تدّعى إلا مجانف للحق ، بعيد عن جادّة الصدق .
ونحو الآية قوله تعالى :
« حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ؟ قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ »
.
ثم عادوا على أنفسهم بالملامة ، وندموا حيث لا ينفع الندم فقالوا :
( وَقالُوا : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ )
أي وقالوا : لو كانت لنا عقول ننتفع بها ، أو آذان تسمع ما أنزل اللّه من الحق ، ما كنا على ما نحن عليه من الكفر باللّه ، والاغترار باللذات التي كنا منهمكين بها في دنيانا ، فبؤنا بسخط ربنا وغضبه ، وحلّ بنا عقابه الأليم .