( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً )
أي وحين قال المنافقون كمعتّب بن قشير ، والذين في قلوبهم ضعف في الإيمان لقرب عهدهم بالإسلام : ما وعدنا اللّه ورسوله من الظفر والنصر على العدو إلا وعدا باطلا يغرّنا به ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به ، ويسلخنا عن دين آبائنا ، ويقول : إن هذا الدين سيظهر على الدين كله ، وإنه سيفتح لنا فارس والروم ، وها نحن أولاء قد حصرنا هاهنا حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته .
( وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا )
أي وحين قالت جماعة من المنافقين كعبد اللّه بن أبىّ وأصحابه : يا أهل المدينة ليس هذا المقام بمقام لكم فارجعوا إلى منازلكم ليكون ذلك أسلم لكم من القتل .
وقد يكون المعنى : لا مقام لكم في دين محمد فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك وأسلموا محمدا إلى أعدائه .
( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ )
أي ويطلب جماعة منهم من النبي صلى اللّه عليه وسلم الرجوع إلى بيوتهم وتركهم للقتال ، وهم بنو حارثة ، معتذرين بمختلف المعاذير كقولهم : إن بيوتنا مما يلي العدو ذليلة الحيطان يخاف عليها من السرّاق ، والحقيقة أنهم كاذبون فيما يقولون ، وهم مضمرون غير ذلك .
ثمّ بين السبب الحقيقي لهذه المقالة ، فقال :
( إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً )
أي وما يريدون بالاستئذان إلا الفرار من القتال والهرب من عسكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعدم مساعدة المؤمنين .
ثم بين وهن الدين وضعفه في قلوبهم إذا ذاك ، وأنه معلق بخيط دقيق ينقطع بأدنى هزة ، فقال :
( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً )
أي ولو دخل عليهم الأحزاب من جوانب بيوتهم ، ثم طلبوا إليهم أن يرتدوا عن دينهم ويرجعوا إلى شركهم بربهم - لفعلوا ذلك مسرعين من شدة الهلع والجزع .