ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك فقال :
( 1 )
( وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا )
أي وما كنت مقيما بين أهل مدين تتلقف القصة ممن شاهدها ، وتقرؤها عليهم بطريق التعلم منهم كما يقرأ المتعلم على معلمه ، فتفهّم أخبار موسى بهذا الطريق ونحوه .
( وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )
لك موحين إليك تلك الآيات ونظائرها ، ولولا ذلك ما علمتها وما أخبرتهم بها .
( 2 )
( وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا )
أي وما كنت بجانب الطور ليلة المناجاة وتكليم اللّه موسى حتى تحدّث أخبارها ، وتفصل أحوالها ، حديث الخبير العليم ببواطن أمورها وظواهرها .
( وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
أي ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بتلك الأخبار وبغيرها مما فيه صلاح البشر وسعادتهم في معاشهم ومعادهم ، لتنذر قوما لم يأتهم قبلك نذير ، وتحذّرهم بأس اللّه وشديد عقابه على إشراكهم به وعبادتهم الأوثان والأنداد ، لعلهم يرجعون عن غيهم ، ويتذكرون عظيم خطئهم ، وكبير جرمهم ، فينيبوا إلى ربهم ، ويقروا بوحدانيته ، ويفردوه بالعبادة دون سواه من الآلهة .
ثم ذكر الحكمة في إرسال الرسول صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، وأن في ذلك قطعا لمعذرتهم ، حتى إذا جاءهم بأسنا لم يجدوا حجة فقال :
( وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا : رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )
أي ولولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك إليهم حين يحلّ بهم بأسنا ويأتيهم عذابنا على كفرهم بربهم واجتراحهم للمعاصي قبل أن نرسلك إليهم : ربنا هلّا أرسلت إلينا رسولا قبل أن يحلّ بنا سخطك وينزل بنا عذابك ، فنتبع أدلتك وآي كتابك التي تنزلها عليه ، ونكون من المؤمنين بألوهيتك المصدقين برسولك - لعاجلناهم العقوبة على شركهم ، لكنا بعثناك إليهم نذيرا ببأسنا