تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ )
أي ففوض إلى اللّه جميع أمورك وثق به فيها ، فإنه كافيك كل ما أهمك ، وناصرك على أعدائك ، حتى يبلغ الكتاب أجله . ثم علل هذا بقوله :
( إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ )
أي أنت على الحق المبين ، وإن خالفك فيه من خالفك ممن كتب عليه الشقاء :
« إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ »
. ثم أيأسه من إيمان قومه وأنه لا أمل في استجابتهم لدعوته فقال :
( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ )
أي إنك لا تقدر أن تفهم الحق من طبع اللّه على قلوبهم فأماتها ، ولا أن تسمعه من أصمهم عن سماعه ، ولا سيما أنهم مع ذلك معرضون عن الداعي ، مولّون على أدبارهم ، وإنما شبههم بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى عليهم ، وشبههم بالصم البكم ليبين أنه لا أمل في استجابتهم للدعوة ، لأن الأصم الأبكم لا يسمع الداعي بحال . وظاهر نفى سماع الموتى العموم ، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل . كما ثبت في الصحيح « أنه صلى اللّه عليه وسلم خاطب القتلى في قليب ( بئر ) بدر فقيل له : يا رسول اللّه إنما تكلم أجسادا لا أرواح لها ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم » . أخرجه مسلم . وكما ثبت أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه . وقصارى ما سلف - إنه تعالى أمره بالتوكل عليه والإعراض عما سواه ، لأنه على الحق المبين ومن سواه على الباطل ، ولأنه تعالى مؤيده وناصره ، ولأنه لا مطمع في مشايعة المشركين ومعاضدتهم ، لأنهم كالموتى وكالصم البكم ، فلا أمل في استجابتهم للدعوة ، ولا في قبولهم للحق . ثم أكد ما سلف وقطع أطماعه في إيمانهم على أتم وجه فقال :
تفسير المراغي — صفحة 19 | أحمد مصطفى المراغي