منجّما ، فذكر منها تثبيت فؤاده صلى اللّه عليه وسلم بتيسير الحفظ ، وفهم المعنى ، وضبط الألفاظ ، إلى نحو أولئك ، ثم وعده بأنهم كلما جاءوا بشبهة دحضها بالجواب الحق ، والقول الفصل الذي يكشف عن وجه الصواب ، وبعدئذ ذكر حال المشركين وأنهم حين يحشرون يكونون في غاية الذل والهوان ويجرّون على وجوههم إلى جهنم وهم مصفّدون بالسلاسل والأغلال .
الإيضاح
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً )
أي وقال اليهود :
هلا أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة كما أنزلت الكتب السالفة على الأنبياء كذلك ، وهذا زعم باطل ، ودعوى داحضة ، فإن هذه الكتب نزلت متفرقة ؛ فقد أنزلت التوراة منجمة في ثماني عشرة سنة كما تدل على ذلك نصوص التوراة ، وليس هناك دليل قاطع على خلاف ذلك من كتاب أو سنة كما نزل القرآن ، لكنهم معاندون أو جاهلون لا يدرون كيف نزلت كتب اللّه على أنبيائه ، وهو اعتراض بما لا طائل تحته ، لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرقا .
فرد اللّه عليهم ما قالوا وأشار إلى السبب الذي لأجله نزل منجما فقال :
( كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ )
أي أنزلناه كذلك لنقوّى قلبك به بإعادته وحفظه كما قال :
« وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا »
.
وخلاصة تلك الفوائد :
( 1 ) إنه عليه الصلاة والسلام لما كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، فلو نزل عليه القرآن جملة واحدة كان من الصعب عليه أن يضبطه ، وجاز عليه السهو والغلط .
( 2 ) إنه أنزل هكذا ليكون حفظه له أكمل ويكون أبعد عن المساهلة وقلة التحصيل .
( 3 ) إنه لو أنزل جملة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة عليهم ،