تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
يختفى ، لاستيلاء الدهشة والحيرة عليهم ، واشتغال كل امرئ بنفسه كما جاء في قوله :
« يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ »
( وَلا يَتَساءَلُونَ )
أي ولا يسأل القريب قريبه وهو يبصره ، لاشتغاله بأمر نفسه كما قال :
« وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً »
وما جاء في بعض الآيات من إثبات التساؤل بينهم كقوله :
« فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ »
فإنما هو عند القرار في الجنة أو النار . ثم شرع يبين أحوال السعداء وأحوال الأشقياء حينئذ فقال :
( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
أي فمن رجحت موزونات أخلاقه وأعماله فأولئك هم الفائزون بكل مطلوب ، والحائزون لكل مرغوب .
( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ )
أي ومن ثقلت سيئاته على حسناته فأولئك الذين خابوا وآبوا بالصفقة الخاسرة ، إذ هم دسّوا أنفسهم باسترسالهم في الشهوات وفعل الموبقات .
( فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ )
أي مآلهم أن يمكثوا في جهنم لا يخرجون منها أبدا . ثم وصف حال النار وحالهم فيها فقال :
( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ )
أي تحرق النار وجوههم وهم فيها منقلصو الشفاه من أثر ذلك اللفح . وإنما خص الوجوه من بين باقي الأعضاء ، لأنها أشرفها ، فذكر ما ينوبها من ألم ، ويلحقها من أذى ، يكون أزجر عن المعاصي التي تصل بهم إلى النار . أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في قول اللّه تعالى
( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ )
تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم . ثم ذكر ما يقال لهم حينئذ توبيخا وتقريعا وتذكيرا لما به حقّ عليهم العذاب
( أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ )
أي قد أرسلت إليكم الرسل ،
تفسير المراغي — صفحة 58 | أحمد مصطفى المراغي