تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣

الإيضاح

( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ )
أي إنه تعالى فطر هذا النوع على العجلة ، وجعلها من سجيته وجبلّته ، فليس بعجيب من المشركين أن يستعجلوا عذاب اللّه ونزول نقمته بهم ، وقد كان من الحق عليهم أن يتلبّثوا قليلا ، فإن اللّه سينزل بهم من سخطه مثل ما أنزل بالمكذبين قبلهم ، ويحلّ بهم من العذاب ما لا قبل لهم بدفعه ، وهذا ما أشار إليه بقوله :
( سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ )
أي إن نقمى ستصيبكم لا محالة ، فلا تتعجلوا عذابي ، واصبروا حتى يأتي وعد اللّه ، إن اللّه لا يخلف الميعاد . وقد نهى الإنسان عن العجلة مع أنها ركّبت في طبيعته ، من قبل أنه أوتى المقدرة التي يستطيع بها تركها وكف النفس عنها . ثم حكى عنهم ما يستعجلون فقال :
( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
أي ويقولون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولمن معه من المؤمنين الذين يتلون الآيات المنبئة بقرب الساعة ونزول العذاب بمن كفر بها استهزاء : متى يجيئنا هذا العذاب الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم . وهذا منهم استبطاء للموعود به يراد به إنكار وقوعه وأنه لن يكون البتة . ثم بين شديد جهلهم بما يستعجلون وعظيم حماقتهم لهذا الطلب فقال :
( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ )
أي لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون ما ذا أعدّ لهم ربهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ، فلا يستطيعون ردها عن تلك الوجوه ، ولا يدفعونها بأنفسهم عن الظهور ، ولا يجدون ناصرا ينصرهم وينقذهم من ذلك