تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
نارا ظاهرا للمبصرين فأحرقه ، ولم يصل إلى معرفة شئ مما يدبّر في ملكوت السماوات ، وبهذا المعنى قوله :
« لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ »
. وجاء بمعنى الآية قوله في سورة الجن حكاية عنهم : « وأنّا لمسنا السّماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنّا كنّا نقعد منها مقاعد للسّمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا » وقوله في صورة الملك :
« وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ »
. وبعد ، فالكتاب الكريم أخبر بأن الشياطين أرادوا أن يختطفوا شيئا من أخبار الغيب مما لدى الملائكة الكرام ، فسلّطت عليهم الشهب المشتعلة ، والنجوم المتقدة ، فأحرقتهم ، ولا نبحث عن معرفة كنه ذلك ، ولا ننعم في النظر ، لندرك حقيقته ، لأنا لم نؤت من الوسائل والأسباب ما يمكننا من معرفة ذلك معرفة صحيحة ، تجعلنا نؤمن به إيمانا مبنيا على البرهان بوسائله المعروفة ، وليس لنا إلا التصديق بما جاء في الكتاب وأوحى به إلى النبي الكريم ، والبحث وراء ذلك لا يقفنا على علم صحيح ، بل على حدس وتخمين ، لا حاجة للمسلم به للاطمئنان في دينه ، فالأحرى به أن يعرض عنه لئلا يحيد عن القصد ، ويضل عن سواء السبيل . وبعد أن ذكر الدلائل السماوية على وحدانيته أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال :
( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها )
أي وقد بسطنا الأرض وجعلناها ممتدة الطول والعرض والعمق ، ليمكن الانتفاع بها على الوجه الأكمل ، وهذا فيما يظهر في مرأى العين ، فلا يدل على نفى الكروية عن الأرض ، لأن الكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي .
( وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ )
أي وجعلنا فيها جبالا ثوابت خوف أن تضطرب بسكانها كما قال في آية أخرى :
« وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » *
وقد سبق تفصيل ذلك في سورة الرعد .