ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ »
.
وقد جرت عادة الكفار أن يرموا رسلهم بالجنون ، لأنهم ادعوا أن اللّه خصهم برسالته ووحيه على كونهم بشرا كغيرهم لا يمتازون من سائر الناس بزعمهم ، ولأنهم ادعوا ما لم يعهد له نظير عندهم ، فقد حكى اللّه عن قوم نوح أنهم اتهموه بالجنون فقالوا :
« إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ »
وقال في شأنهم :
« كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ »
وقال حكاية عن فرعون في موسى عليه السلام :
« قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ »
وقد بين سبحانه ذلك على وجه عام فقال :
« كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ »
.
( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ )
أي إنه ليس بمجنون بل هو منذر ناصح ومبلّغ عن اللّه ، فهو ينذركم ما يحل بكم من عذاب الدنيا والآخرة إذا لم تستجيبوا له ، وقد دعاكم إلى ما فيه صلاحكم في الدنيا بجمع الكلمة وصلاح حال الفرد والمجتمع والسيادة على من سواكم وصلاحكم في الآخرة بلقاء ربكم وأنتم في جنات النعيم .
والتعبير عنه صلى اللّه عليه وسلم
( بِصاحِبِهِمْ )
لتذكيرهم بأنهم يعرفونه من أول نشأته إلى أن تجاوز الأربعين من عمره ، فما عليهم إلا أن يتفكروا في سيرته ليعلموا أنه ليس من دأبه الكذب ولا هو مما عهد عنه كما شهد بذلك بعض زعمائهم فقال ، إن محمدا لم يكذب قط على أحد من الناس ، أفيكذب على اللّه ؟ ومن ثم قال تعالى في أولئك الزعماء :
« فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
.
ولو تأمل مشركو مكة في نشأته صلى اللّه عليه وسلم وما جرّبوا من أمانته وصدقه إلى أن اكتهل ثم تفكروا فيما قام يدعوهم إليه من توحيد اللّه وعبادته وحده ، وما دعاهم إليه من إصلاح في حالهم الدينية والمدنية والاجتماعية لعلموا أن هذا كله لا يصدر من مجنون ، بل الذي يقتضيه العقل ويسرع إليه الفكر أن هذا ليس من رأى ذلك النبي الأمى الناشئ بين الأميين ، وأن ما أقامه من الحجج والبراهين العقلية والكونية على