( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ )
جاءت هذه الجملة بيانا من اللّه لما انتهى إليه أمرهم وكيف كانت عاقبة عملهم فكأن سائلا سأل عما آل إليه تهديدهم لشعيب وقومه بقولهم :
« لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا »
وقولهم لقومهم :
« لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ »
فأجاب عن الأول جوابا مناقضا له بقوله : الذين كذبوا شعيبا إلخ . أي الذين كذبوا شعيبا وأنذروه بالإخراج من قريتهم قد هلكوا وهلكت قريتهم فحرموها كأن لم يقيموا ولم يعيشوا فيها بحال ، وأجاب عن الثاني بقوله : الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين : أي الذين كذبوا وزعموا أن من يتبعه يكون خاسرا - كانوا هم الخاسرين لما كانوا موعودين به من سعادة الدنيا والآخرة ، دون الذين اتبعوه فإنهم كانوا هم الفائزين المفلحين .
وفي الآية إيماء إلى أن الحريص على التمتع بالوطن والاستبداد فيه على أهل الحق تكون عاقبته الحرمان الأبدي منه ، كما أن الحريص على الربح بأكل أموال الناس بالباطل ينتهى بالحرمان منه ومن غيره .
( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ )
أي فأدبر شعيب عنهم وخرج من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب اللّه ، وقال حزنا عليهم : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم . وقد تقدم مثل هذا في قصة صالح ، وقد اتحد إعذار الرسولين لاتحاد حال القومين .
( فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ )
أي فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانية اللّه وكذبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم بعد أن أعذرت إليهم وبذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم فاختاروا ما فيه هلاكهم ، وإنما يأسى من قصّر فيما يجب عليه من النصح والإنذار .